فإذا لم ترُج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون والحروف , فكيف يروجُ عليهم وضع الزنادقة وتوليدهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيت على اهلها ؟! وهو قول بعض الملاحدة , وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذّاب يريد أن يهجن بهذه , الدعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبي صلى الله علية وسلم وآثارهُ الصادقة , فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى ) (1)
وقال أبو المظفر أيضًا:
( واعلم أن الخبر وأن كان يحتمل الصدق والكذب والظن , فللتجوز فيه مدخل, ولكن هذا الذي قلناه لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه مشتغلا بالحديث والبحث عن سيرة النقله والرواة ،ليقف على رسوخهم في هذا العلم وكبير معرفتهم به ،وصدق ورعهم في أقوالهم وافعالهم ،وشدة حذرهم من الطغيان والزلل،وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر ،والبحث عن أحوال الرواة ،والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها ،وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدا في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك ،وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم ،وأدوا كما أدى إليهم ، وكانوا في صدق العناية والاهتمام بهذا الشأن ،ما يجل عن الوصف ،ويقصر دونه الذكر ،وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم ،وعرف حالهم ،وخبر صدقهم ،وورعهم وأمانتهم ،ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه ...فكما يرجع في مذاهب الفقهاء ـ الذين صاروا قدوه في هذه الامه ـ إلى أهل الفقه ،ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة ،وفي النحو إلى أهل النحو ،وكذا يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه ،إلى أهل الرواية والنقل ،لأنهم عنوا بهذا الشأن واشتغلوا بحفظه والفحص عنه ونقله، ولولاهم لاندرس علم النبي صلى الله عليه وسلم ،ولم يقف أحد على سنته وطريقته ) . (2)
(1) مختصر الصواعق المرسلة (2/410)
(2) مختصر الصواعق المرسلة (2/409)