حتّى نحن معشر أهل السنة لا نصدق كل خبر نسمعه , ولم يكن السلف رحمهم الله يصدَّقون كلّ خبر يسمعونه , بل إذا جاءهم أحدُ بخبر نظروا فيه فإن كان عدلًا ثقةً قبلوه , وإلا ردوه . ولهذا اشتهر عندهم الكلامُ في تعديل وتجريح الرواة , وهذا متواتر عنهم فلو كانوا لا يقبلون أخبار الآحاد فما فائدة كلامهم في الرجال إذ أن المتواتر لا يبحث فيه عن عدالة الرواة ! وكيف يقاس خبرُ الثقات بأخبار غيرهم ؟!.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيميه رحمة الله:
( فقياس خبر الصديق رضي الله عنه على خبر آحاد المخبرين , من أفسد قياس في العالم وكذلك الثقات العدول الذين رووا عنهم , هم أصدق الناس لهجة , وأشدُّهم تحريًا للصدق والضبط , حتى لا تعرف في جميع طوائف بني آدم , أصدق لهجةً ولا أعظم تحريًا للصدق منهم , وانما المتكلمون أهل ظلم ٍ وجهل , يقيسون خبر الصديق والفاروق وأُبي بن كعب رضي الله عنهم بأخبار آحاد الناس , مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين , فمن أظلم ممن سوّى بين خبر الواحد من الصحابة , وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم , وهذا بمنزلة من سوّى بينهم في العلم والدين والفضل ) (1)
وقال أيضا رحمة الله:
( فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوما لغيرهم فضلا أن يتواتر عندهم , فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله , يعلمون من ذلك علمًا لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به ألبته , فخبرُ أبي بكر وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن مسعود ونحوهم يفيد العلم الجازم الذي يلتحق عندهم بقسم الضروريات . وعند الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام لا يفيد علمًا وكذلك يعلمون بالضرورة , أن رسول الله صلى الله علية وسلم , أخبر أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وعند الجهمية رسول الله صلى الله علية وسلم لم يقل ذلك .