ذهب المالكية والحنابلة في وجه في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، ومجلس هيئة كبار العلماء، إلى أن عقوبة القاتل غيلة هي القتل حدًا لا قصاصاُ فلا يصح فيه العفو. (19)
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بأدلة أهمها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: (20) .
نقل ابن فرحون عن ابن القاسم أنه قال:"وقتل الغيلة من الحرابة" (21) .
وقد أُجيب بما قاله أبو محمد بن حزم:"فلا تخلو هذه الآية من أن تكون على الترتيب، أو التخيير، فإن كانت على الترتيب فالمالكيون لا يقولون بهذا، وإن كانت على التخيير ـ وهو قولهم ـ فليس في الآية ما يدعونه من أن قاتل الحرابة والغيلة لا خيار فيه لولي القتيل ـ فخرج قولهم عن أن يكون له متعلق، أو سبب يصح، فبطل ما قالوه" (22) .
الدليل الثاني: واستدلوا أيضًا بما رواه أنس بن مالك (:"أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا أَفُلاَنٌ أَفُلاَنٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ( فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ"(23) .
وجه الاستدلال من الحديث: أن الرسول ( قتل اليهودي دون الرجوع إلى أولياء الجارية، ولم ينتظر إذنهم بالقتل، ولم يدفعه إليهم ليقتلوه، أو يعفو عنه، فدل على أنه يُقتل حدًا ولا مجال للعفو فيه.(24)
نوقش: بأن الحديث لا يمكن اعتباره حجة على عدم جواز العفو؛ إذ لم يرد فيه أن النبي ( لم يشاور وليها، ولا أنه شاوره؛ ولأن الأصل هو تخيير أولياء المقتول لقوله (:"وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ"(25) .