فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 486

إن الجواب على هذا السؤال المشروع بجانبيه، أي ما يتعلق بالحضارة وما يخصّ العلم، يقتضي وقفة متأنية لكي نعرف ما الذي يقوله الإسلام بصددهما، ما الذي قدّمه أو نسجه؟ وما هي طبيعة منظوره للحضارة، ورؤيته للعلم؟ وهل ثمّة من تأشيرات سلبية على أنشطتهما، أم أنه اللقاء، والحضّ والعطاء؟ هل أنه الانفصال الذي اعتقدته العلمانية الأوروبية كردّ فعل للنصرانية التي وقفت بمواجهة التحضّر والعلم، بشكل أو بآخر، أم أنه التناغم والاتصال؟

لن يسمح هذا المدخل الموجز لتقديم الجواب ويكفي أن نتابع"الشهادات"التي تضمنها هذا الكتاب والتي لا تدع مجالًا للشك في أن الإسلام، بمعنى من المعاني، هو التحضّر والعلم معًا في إطار رؤية دينية تتميز بالشمولية والتوازن.

إنه يتحتّم علينا ألا ننساق وراء المقولة الخاطئة التي اصطنعتها العلمانية الأوروبية، والتي تتركز بعبارة"إما هذا أو ذاك"، أي إما الإيمان أو التحضّر، إما الدين وإما العلم، إما الله وإما الإنسان، وباختصار: إما السماء وإما الأرض.

فهاهنا، في نسيج التصوّر الإسلامي، متناسقًا مع سداه ولحمته، نلتقي الشعار الآخر الذي يتحتم على الغربيين أن يعرفوه جيدًا ويوقنوا به: هذا وذاك، الإيمان والتحضر، الدين والعلم، الله والإنسان، السماء والأرض.

إن الإسلام، بانفتاحه على العلم والتحضّر وتبنيّه لهما، كما سيتبين لنا، يجعل من مرور الزمن، وتراكم الخبرات العلمية والحضارية، سلاحًا بيده وليس ضده، كما فعلت النصرانية وبعض الأديان الأخرى، سيجعل منها عصًا، كتلك التي أمسك بها موسى عليه السلام، فضرب بها البحر ومضى بأتباعه صوب أهدافه المرتجاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت