إن الفلسفة التي تتعامل مع المادة لا يمكن أن تمنحنا قناعات كافية إن لم تبدأ من المختبر، وتنبثق عن أسس فيزيائية علمية كما يفعل رجال من أمثال (هايزنبرغ) و (اينشتاين) و (كاريل) وغيرهم. والبحث في التاريخ ما لم يستكمل تفاصيل وجزئيات كل عصر وبيئة لا يمكن أن يمنحنا نتائج نهائية.
وعلى ضوء هاتين البديهيتين يمكن أن نقيّم معطيات (ماركس) في هذين الحقلين، ونحن لازلنا نذكر عبارة الباحث الاقتصادي (أوسكار لانكه) وهو أحد أكبر أخصائيين في اقتصاد الدول النامية، فهو بعد أن يستعرض جهود الكتاب الذين اهتموا بدراسة اقتصاد مجتمعات ما قبل الرأسمالية، منذ عصر (ماركس) وحتى عصر (بورشييف) يقول ما معناه:"ولكن هذه الدراسات جميعها مفككة، لذلك فإن الاقتصاد السياسي للنظم الاجتماعية ما قبل الرأسمالية لما يخرج بعد إلى حيز الوجود باعتباره فرعًا منظمًا من فروع الاقتصاد السياسي". ولكن هل يكفي هذا كله لفك الارتباط الوثني بين الأتباع والأرباب وتجاوز تقاليد قرون طوال سادت الفكر الغربي ولا تزال؟.
قد يتساءل المثقف الغربي، ومن حقه أن يتساءل، هل معنى قبول الدين، والإسلام على وجه الخصوص، أن نتخلى - بمعنى من المعاني - عن بعض درجات سلّمنا الحضاري المتقدمة، أو أن نتجاوز"العلمية"التي تميّز هذه الحضارة، والتي هي منهجها وشعارها؟
بعبارة أخرى: هل يحتمّ خلاصنا الديني بالإسلام، أن نضحّي ببعض منجزاتنا العقلية، وخبراتنا الحضارية، من أجل هذا الخلاص ؟ وهل أنه لا مناص من الاختيار بين الاثنين: إما هذا أو ذاك؟