فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 486

إن هذا التناقض الطولي بين مفكر وآخر يعملان في مجال واحد، من مثل التناقض بين (هيغل) و (ماركس) أو بين (دارون) وحفيده، أو بين (فرويد) وبعض تلامذته الذين انشقوا عليه، يكفي لوحده أن يهزّ قناعات الأتباع بكل الربوبيات والصنميات الفكرية، لكن هذا لا يحدث إلا نادرًا، لأن القصور الفكري وضياع المقاييس الشمولية، فضلًا عن الحاجات والدوافع النفسية في الاحتماء بهذه النظرية أو تلك والامتلاء بقناعاتها يمنع هذا المصير.

مهما يكن من أمر، فإن بعض المفكرين بسبب من تضخم إحساسهم بالقدرة على الكشف، وبأن كشفهم هذا قادر على الامتداد لتغطية جوانب الحقيقة كافة وتفسير كل شيء، بسبب من هذا يتجاوزون - أحيانًا - دوائر تخصصهم، ويوغلون في مجالات ودوائر أخرى للمعرفة قد لا يملكون من الأدوات والوسائل ما يمكنهم من أن يحققوا فيها ما حققوه هناك في حقل تخصصهم وإبداعهم. وإذا كان الدافع لهذا السلوك واضحًا، فما الذي يدفع (الاتباع) إلى تقبل هذا الموقف واعتبار معطيات المفكر، حتى في مجالات تبعد عن تخصصه، بمثابة الحقيقة النهائية هي الأخرى؟

(إن هذا بالذات ما يحدث بالنسبة للماركسيين - على سبيل المثال - وهم يتعاملون مع اكتشافات(ماركس) في حقول الاقتصاد والفلسفة والتاريخ، فيرونها جميعًا بمثابة الأمور التي تتجاوز حدود الحقائق الاختبارية إلى نوع من القدسية التي يتحتّم ألا يمسّها أحد بأية صيغة من صيغ التساؤل والشك. فإذا كان (ماركس) في حقل الاقتصاد قدّم في دائرته كشوفًا ذات قيمة، فما الذي يحتم على أتباعه قبول كل معطياته وكشوفاته في مجالين آخرين قد لا يكون صاحب القول الفصل فيهما وهما الفلسفة والتاريخ ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت