فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 486

قد يلعب البعد النفسي دوره هنا أيضًا، فإن الانتماء لمذهب ما والمبالغة في الاعتقاد بأنه الحق المطلق واليقين الكامل، يمنح الذات فرصة للتحقق والتوازن والامتلاء، ويشبع فيها حاجات كانت في كثير من الأحيان بمثابة الدافع القوي للسلوك البشري. لكن هذا وحده لا يكفي. إنه - مرة أخرى - القصور العقلي، عدم قدرة الإنسان على بلوغ اليقين المطلق، أو رؤية الحقيقة كاملة طالما هو يرفض التلقي عن العلم الإلهي الشامل، ومن ثم يجد نفسه أسير التجزيئيّة والقصور، والرؤية ذات البعد الواحد. وهو من أجل تجاوز محنته، بل بسبب من اعتقاده بقدرته العقلية الفائقة، يندفع للتصديق بهذه النظرية أو تلك، والتسليم بهذا الكشف أو ذاك، لا لأنها بحد ذاتها تحمل الصواب المطلق، بل لأنه هو نفسه لا يملك المقاييس الموضوعية النهائية للحكم عليها ومن ثم فقد يمتلك القناعة الكافية، المناسبة مع قدراته المحدودة، في أن هذا الذي يطرحه مفكر أو فيلسوف ما هو إلا الصدق واليقين والحق، وأن الانتماء إليه يمنح الفكر معادلاته الموضوعية، وتوازنه، واستقراره.

إن المشكلة، مرة أخرى، تكمن في غياب الرؤية الدينية، انعدام المقاييس الموضوعية التي تنبثق عن العلم الإلهي الشامل. وهنا، في الساحة التي يتفرد فيها بالسلطان العقل ذو القدرات النسبية، يصبح الانتماء مجرد اجتهاد شخصي قد يخطئ وقد يصيب، وهو حتى إذا أصاب، فإنه لا يتحقق بالمعرفة الكلية اليقينية الشاملة، لأنه ليس بمقدور عقل بشري أن يبلغ شواطئها.

وهنا قد يسأل المرء: إذا حدث أن طرح مفكر ما كشفًا أو نظرية، تناقض في جوهرها كشف مفكر آخر أو نظريته، فمن يكون من أتباع كلا المفكرين على حق ومن يكون على ضلال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت