فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 486

فهاهنا أيضًا نجابه بعدد من الأخطاء المنهجيّة في طبيعة هذا التعامل، ويكمن أكبر هذه الأخطاء وأشدها وضوحًا في المشكلة نفسها التي يعاني منها المفكر واضع النظرية أو مصمّم المذهب، تلك هي - مرة أخرى - النظرة أحادية الجانب حيث يمارس المثقف ما يمكن اعتباره خداعًا وتضليلًا على حساب الحقيقة، أو ما يمكن اعتباره خطأ منهجيًا على أقل تقدير. إنه يصدّق فعلًا أن (الاكتشاف) الذي حققه هذا المفكر أو ذاك، ومطّه ونفخ فيه لكي يجعل منه نظرية أو مذهبًا، يفسر كل شيء، ويلقي ضوءه على كل معضلة أو مسألة غامضة في الوجود والعالم، يصدّق أن هذا الاكتشاف هو الحق المطلق، الرؤية المتفردة، الكشف النهائي للسنن والقوانين التي تحرك العالم وتفسر معطياته في الوقت ذاته. وهم، أي المثقفون، يدفعون أنفسهم إلى نوع من الاستسلام لهذا التصوّر، يصل بهم أحيانًا حدّ الوثنية والتعبّد، فيفقدوه القدرة على أي تفكير مستقل يخرج بهم عن دائرة المذهب الذي انتموا إليه، والمفكر أو الفيلسوف الذي آمنوا به، بل أنهم يعتبرون آية محاولة لتجاوز أطروحات المذهب خروجًا على التعاليم المقدسة، وهرطقة يستحق صاحبها أشد العقاب.

وإذا كان المفكر الوضعي يتخذ موقف المعلم المطلق، أو صاحب الاكتشاف المقدس، لتحقيق حاجة ذاتية في تركيبه الخاص، فما الذي يجعل المثقف المتلقي، أو التابع، يتخذ موقف التسليم المطلق والانقياد الأعمى للفكرة أو الاكتشاف ويتشنج عليهما ويعتبرهما الحق الذي ليس وراءه سوى الضلال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت