لكن العلوم الإنسانية شهدت صيغة أخرى في العمل، صيغة الانفراد، والذاتية، والادعاء، والتضخم. ولذا لم تستطع أن تقدم للإنسان عُشر معشار ما قدمته العلوم النظرية والتطبيقية، ولهذا - أيضًا - آلت إلى الفشل والسقوط الواحدة تلو الأخرى.
فعلى سبيل المثال، لماذا يصرّ عقل فذ (كهيغل) على جعل الجدل أو الديالكتيك أو التقابل المتضاد بين الحقائق والتجارب يقتصر على نطاق (الفكرة) ؟ ولماذا يجيء (ماركس) و (انجلز) بعده لكي يديناه على أحادية نظرته، بل على وضعها المقلوب، لكنهما ما يلبثان أن يقعا في الخطأ نفسه فيتشنجان على نظرية الديالكتيك المادي، أي الجدل في نطاق المادة وحدها؟ إنهما يتهمان (هيغل) بأنه وضع فلسفة"تمشي على رأسها"لكنهما وهما يسعيان لتعديل الوضع الفلسفي، قدّما فلسفة تمشي على بطنها بحثًا عن الخبز وحده.
أما كان الأولى أن يتجاوز (هيغل) تشبثه بالفكرة، وأن يبعد (ماركس) و (انجلز) قليلًا عن الأرضية المادية، وأن يحاول الطرفان وضع صيغة للجدل أكثر شمولية تتضمن الفكري والمادي معًا؟ ثم لماذا يصرّ الطرفان على أن الجدل بين الأفكار أو الصيغ المادية يأخذ طابع التناقض والتضاد ويقود دومًا إلى الاصطراع؛ ألا يتحتم أن تضاف إليه صيغ أخرى للعلاقة تأخذ طابع (التبادل) بدلًا من التضاد؟ تبادل في الأخذ والعطاء دونما ضرورة تدفع لصراع محتوم، ودونما اطراح لبعض العناصر من هذا الجانب أو ذاك، بل بلورته وتبنّيه وإضافته للموحّد الجديد.. وغير (هيغل) و (ماركس) و (انجلز) كثيرون جدًا.