فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 486

إن المفكر الوضعي يمارس هنا نشاطًا ضد المنهج، ضد الموضوعية والتجرد العلمي، وهذه الضدّية تجيء على حساب الحقيقة. نعم، قد يكسب المفكر الجولة وقد يلتف حوله المريدون والأتباع، وقد يُظنّ لفترة طويلة من الزمن أنه وضع يده على مفاتيح الحقيقة وأنه سبر غورها العميق، ولكن الخاسر في هذه اللعبة التي تكررت على الساحة الأوروبية عشرات القرون هو الحقيقة والإنسان الذي يتوخى معرفتها وإدراكها في نهاية الأمر.

ويقوم هذا النشاط الذي يمارسه المفكر ضد المنهج والموضوعية على محاولة توسيع مساحة"الاكتشاف"لجعله يلف الظاهرة كلها، فيمطّه بأي أسلوب لكي يحيط بالفكرة من جوانبها كافة، ويرغمه على التضخّم لكي يوازي الحقيقة طولًا وعرضًا وعمقًا.

والمشكلة أن هذا الاكتشاف الذي يحمل قيمته الكبيرة بحدّ ذاته، قد يغطي مساحة من الظاهرة، قد يفسّر جانبًا من الفكرة، قد ينشر شعاعًا على جهة محدودة من الحقيقة لكي يضيئها. ولكن تبقى دائمًا مساحات وجوانب أخرى من الظواهر والأفكار والحقائق لا يكفي الاكتشاف - إن على مستوى النوع أو على مستوى الكم - لتفسيرها وإضاءتها، لابد من اكتشافات أخرى وإضاءات متتالية، تأخذ طابع التتابع والتكامل، وتسلط على الحقائق والظواهر والأفكار من أطرافها جميعًا، ويسهم فيه خط طويل من المفكرين، وعقول متألقة لا يحصيها عدّ.. وعند ذلك قد تصل إلى تفسير هذه الظاهرة أو تلك وقد لا تصل أساسًا.

إن هذا يتم في ميدان العلوم النظرية (الصرفة) والتطبيقية (التقنية) ولهذا حقّقت هذه العلوم تلك الخطوات العملاقة، وقدّمت للإنسان خدمات جلى لا يستطيع أحد أن ينكر دورها الفعال في استمرار الحضارات وبخاصة الحضارة الغربية المعاصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت