فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 486

إن المرء كثيرًا ما يتساءل: لماذا يصرّ الفكر الوضعي عمومًا، والغربي بخاصة، على التشبث بجانب واحد من الفكرة ذات الجوانب العديدة ويقف عند مساحة محدودة منها بينما هنالك مساحات أخرى ؟ ولماذا يصرّ على تبسيط الظاهرة وحملها على أن تطلّ على الإنسان بوجه مسطح واحد بينما هنالك وجوه عدّة ؟ ولماذا يتشنّج على طبقة واحدة من الحقيقة بينما هي تتضمن طبقات وطبقات ؟

إن السبب قد يحمل بعدًا نفسيًا ذاتيًا صرفًا، فالمفكّر الوضعي الذي يكتشف جانبًا من الحقيقة، أو مساحة من الظاهرة، أو وجهًا ما من الفكرة، ليسعى للاعتقاد بأن ما اكتشفه هو الجانب الوحيد للحقيقة، والمساحة الكلية للظاهرة، والوجه المتفرد للفكرة، ويبذل جهدًا متواصلًا لإقناع أتباعه بذلك ولشدة التكرار والإلحاح يتوهم هؤلاء بأن ما يقوله هو الحق وأن اكتشافه الفكري هو الصواب وأنه يتضمن أطراف الحقيقة أو الفكرة أو الظاهرة كافة.

إنها نوع من الرغبة في تعبيد الناس للمفكر، وكسب إعجابهم وانبهارهم من خلال أطروحاته الفكرية المعزّزة باستنتاجات ومعطيات متواصلة لتأكيد أنها الحق المطلق وأن ما وراءها الباطل والضلال. وهو يبني موقفه هذا، أو كسبه غير المشروع إذا صحّ التعبير، على ما قد يتضمنه العقل البشري من قصور وعدم قدرة على الإلمام بجوانب الحقيقة، وافتقاده النظرة الكلية التي تستشرف أطراف الظاهرة من كل مكان. هذا العقل الذي يظل يعاني من نقصه هذا طالما هو لم يستهد بدين سماوي، ببرنامج عمل موضوعي يجيء من السماء ويمنح الإنسان والعقل الإنساني، بما يتضمنه من علم إلهي شامل، القدرة على تجاوز النظرة أحادية الجانب، والتوغل لإدراك جوانب الحقيقة ومساحاتها وطبقاتها جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت