إن الأزمة الغربية الراهنة، في جوانبها الفكرية والنفسية والحضارية، تأخذ أبعادًا شتى، ليس أقلها خطورة - إذن - ذلك الضمور والضحالة الروحية اللذان تعانيهما الحضارة المعاصرة بكافة مذاهبها ونظمها ومعطياتها، الضمور والضحالة اللذان يصلان حدّ الخواء، وانعدام أي بعد يمنح الإنسان المعاصر رؤية أوسع مدى، وتجربة أعمق غورًا، يتجاوز بهما سطحية حياته المادية ورتابة تجربته المباشرة، ويكسر جدران الحس القريب لكي يمدّ في تجربة"الإنسان"ويمنحها كثافة أشد، وتوغلًا أبعد، ومنظورًا لتكون الحياة والعالم والإنسان أكثر غنى، إنه خواء يستل اليقين بكل ما من شأنه أن يمنح الحياة البشرية تفردّها، وتألّقها، وتميزها عن سائر الحيوان، ويعطي أبناءها الفرصة للاستهداء بحشد من القيم، والضوابط والمناهج المرسومة، التي يتحركون على هديها إلى أهداف تليق بهم، وتخلّصهم من الفوضى والتخبّط والارتجال.
إن حضارة تفتقد اليقين الديني لن يكون بمقدورها أن تمنح الإنسان كل ما يري، وإن الإنسان إن لم يجد نفسه في بيئة تتعامل معه كإنسان، بكل مكوناته، وأشواقه، ومنازعه، فإنه سيتمرد - ولا ريب - على هذه البيئة، وينشق عليها، طال الوقت أم قصر.
(1) انظر المؤلفات التالية للمؤلف: (تهافت العلمانية) ، (الأدب في مواجهة المادية) ، (العلم في مواجهة المادية) ، (فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر) ، (أضواء جديدة على لعبة اليمين واليسار) .
[ الأخطاء المنهجية للفكر الوضعي ]
وثمة النظرة الأحادية للفكر الغربي الوضعي (1) ، والمنهج ذو الوجه الواحد الذي طالما اعتمده هذا الفكر وتشبث به. إنه ملمح لا يقل خطورة عن الملمح السابق ومن ثم سنقف عنده بعض الشيء.