فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 486

وإننا لنلمح على ضوء هذه الأزمة التي تعانيها الثقافة الغربية الدافع الذي جعل حشدًا من كبار المثقفين الغربيين، عبر الربع الثاني من هذا القرن على وجه التقريب، من مثل آرثر كوستلر واندريه جيد وريتشارد رايت واكناز سيلوني وستيفن بندر ولويس فيشر وبيكاسو واراجون وجارودي وغيرهم يلجأون إلى الماركسية. إنه لم يكن توجهًا حرًّا بمعنى الكلمة، ولكنه ارتماء المرهقين الباحثين عن الخلاص بأية طريقة ومن خلال أي برنامج يمتلك رؤية عقيدية شاملة تأخذ بيد الإنسان، حتى ولو كان الذي يصوغها هو الشيطان.

لكن المشكلة التي سرعان ما تبدت لهؤلاء الذين ارتموا في أحضان الماركسية أنها هي الأخرى تمتح من البئر نفسه الذي يشكل ماؤه نسيج الثقافة الغربية وينفخ الحياة في عروقها.

الفلسفة المادية التي ترفض الغيب والروح، وتنكر وجود الله، وتقطع الطريق إلى الجنة، وتحارب وجود الله.. إنها هي الأخرى تحجّم الإنسان، وتحصره في النطاق الضيّق، وتغلق الأبواب عليه لكي لا ينطلق صوب الآفاق الرحبة التي تتجاوز حدود المنظور والملموس وتتأبى على نداءات الجنس وصرخات الأمعاء.

وإذا كان ثمة فارق فإنه يكمن في امتلاك الماركسية النظرة الشمولية للعقيدة والفلسفة التي استهوت أولئك المثقفين، لكن الجوهر هو الجوهر والنسيج هو النسيج. فما ثمة بد لهؤلاء من الارتداد، كرة أخرى، بحثًا عن حل أكثر قبولًا، وأقدر على تلبية طموح الإنسان، بما أنه"إنسان"لا"حيوان اجتماعي"، ولا مجرد أداة ميكانيكية، أو رقم مضاف إلى الشمال أو اليمين. حلّ يمكّن المثقف الغربي من التحقّق الذاتي الضائع، وإذا كانت الأكثرية القلقة لم تقدر لأسباب شتى، ليس هذا مجال تحليلها أو حتى الإشارة إليها، على أن تجد طريقها صوب الهدف، فإن إسلام عشرات الغربيين بل مئاتهم، إشارة مؤكدة على أن هناك من يقدر على الوصول وعلى أن رحلة البحث عن المصير الموازي لحجم الإنسان ستؤتي ثمارها بإذن الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت