كَلَامِهِمْ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ مِمَّا فِيهِ تَنَقُّصٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ مَا لَا يُحْصَى فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . و"التَّحْقِيقُ"أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءِ فِي الْخَارِجِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ وَيَكْتُبُهُ وَقَدْ يَذْكُرُهُ وَيُخْبِرُ بِهِ فَيَكُونُ سَبَبًا فِي الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالْكِتَابِ لَا فِي الْخَارِجِ كَمَا قَالَ: { إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْإِنْسَانِ وَمُعَلِّمُهُ فَهُوَ الَّذِي { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } وَهُوَ { الْأَكْرَمُ } { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِلَهَ بِمَعْنَى الرَّبِّ فَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَرْبُوبَ مَرْبُوبًا فَيَكُونُ عَلَى هَذَا هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَأْلُوهَ مَأْلُوهًا وَالْمَرْبُوبُ لَمْ يَجْعَلْهُ رَبًّا بَلْ رُبُوبِيَّتُهُ صِفَةٌ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَرْبُوبَ وَجَعَلَهُ مَرْبُوبًا وَهُوَ إذَا آمَنَ بِالرَّبِّ وَاعْتَقَدَ رُبُوبِيَّتَهُ وَأَخْبَرَ بِهَا كَانَ قَدْ اتَّخَذَ اللَّهَ رَبًّا وَلَمْ يَبْغِ رَبًّا سِوَى اللَّهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ رَبًّا سِوَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } وَقَالَ تَعَالَى: { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وَقَالَ: { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } وَهُوَ أَيْضًا فِي نَفْسِهِ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ لَا إلَهَ غَيْرُهُ فَإِذَا عَبَدَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ وَحَّدَهُ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ وَلَا اتَّخَذَ إلَهًا غَيْرَهُ قَالَ تَعَالَى: { فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ } وَقَالَ تَعَالَى: { لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا } وَقَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ: { أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } فَالْمَخْلُوقُ لَيْسَ بِإِلَهِ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّ عَابِدَهُ اتَّخَذَهُ إلَهًا وَجَعَلَهُ إلَهًا وَسَمَّاهُ إلَهًا وَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ بَلْ يَضُرُّهُ كَمَا أَنَّ الْجَاهِلَ إذَا اتَّخَذَ إمَامًا وَمُفْتِيًا وَقَاضِيًا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَؤُمَّ وَلَا يُفْتِيَ وَلَا يَقْضِيَ وَغَيْرُ اللَّهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُتَّخَذَ إلَهًا يُعْبَدُ وَيُدْعَى فَإِنَّهُ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَرْزُقُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ . وَمَنْ دَعَا مَنْ لَا يَسْمَعُ دُعَاءَهُ أَوْ يَسْمَعُ وَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُ فَدُعَاؤُهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللَّهِ إمَّا أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ دُعَاءَ الدَّاعِي أَوْ يَسْمَعُ وَلَكِنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ فَإِنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَا يَسْتَقِلُّ بِفِعْلِ شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } فَغَيْرُ اللَّهِ لَا مَالِكٌ لِشَيْءِ وَلَا شَرِيكٌ فِي شَيْءٍ وَلَا هُوَ مُعَاوِنٌ لِلرَّبِّ فِي شَيْءٍ ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ لَهُ شَفَاعَةٌ إنْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَكِنْ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْذَنَ لِلشَّافِعِ أَنْ يَشْفَعَ وَأَنْ يَأْذَنَ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ وَمَنْ دُونَهُ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ أَلْبَتَّةَ فَلَا يَصْلُحُ مَنْ سِوَاهُ لِأَنْ يَكُونَ إلَهًا مَعْبُودًا كَمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا رَازِقًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .