فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 106

فِي مَذْهَبِهِمْ الْبَاطِلِ وَجَعَلُوا الْكَلْبَ وَالْحِمَارَ أَفْضَلَ مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ قَالَ لِي: وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِاللَّعْنَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ وَكُفْرًا بِالرَّحْمَنِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ وَنُبَاحَ الْكَلْبِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا } فَهُمْ إذَا سَمِعُوا نَهِيقَ الْحِمَارِ وَنُبَاحَ الْكَلْبِ تَكُونُ الشَّيَاطِينُ قَدْ حَضَرَتْ فَيَكُونُ سُجُودُهُمْ لِلشَّيَاطِينِ . وَكَانَ فِيهِمْ شَيْخٌ جَلِيلٌ مِنْ أَعْظَمِهِمْ تَحْقِيقًا - لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسُبُّونَ الْأَنْبِيَاءَ - وَقَدْ صَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ"فَكُّ الْأَزْرَارِ عَنْ أَعْنَاقِ الْأَسْرَارِ"ذَكَرَ فِيهِ مُخَاطَبَةً جَرَتْ لَهُ مَعَ إبْلِيسَ وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ: إنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُونِي وَقَهَرْتُمُونِي وَنَحْوَ هَذَا لَكِنْ جَرَتْ لِي قِصَّةٌ تَعَجَّبْت مِنْهَا مَعَ شَيْخٍ مِنْكُمْ فَإِنِّي تَجَلَّيْت لَهُ فَقُلْت: أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَسَجَدَ لِي فَتَعَجَّبْت كَيْفَ سَجَدَ لِي . قَالَ هَذَا الشَّيْخُ: فَقُلْت لَهُ: ذَاكَ أَفْضَلُنَا وَأَعْلَمُنَا وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْ قَصْدَهُ مَا رَأَى فِي الْوُجُودِ اثْنَيْنِ وَمَا رَأَى إلَّا وَاحِدًا فَسَجَدَ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ إبْلِيسَ وَغَيْرِهِ فَجَعَلَ هَذَا الشَّيْخُ ذَاكَ الَّذِي سَجَدَ لإبليس لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الرَّبِّ وَغَيْرِهِ ؛ بَلْ جَعَلَ إبْلِيسَ هُوَ اللَّهَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ جَعَلَهُ أَفْضَلَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ . وَلِهَذَا عَابَ ابْنُ عَرَبِيٍّ نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بُعِثَ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ وَأَنْجَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ وَأَهْلَكَ سَائِرَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمَّا كَذَّبُوهُ ؛ فَلَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا وَعَظَّمَ قَوْمه الْكُفَّار الَّذِينَ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ وَأَنَّهُمْ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ خَطَايَاهُمْ خَطَتْ بِهِمْ فَغَرِقُوا فِي بِحَارِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَهَذَا عَادَتُهُ يَنْتَقِصُ الْأَنْبِيَاءَ وَيَمْدَحُ الْكُفَّارَ كَمَا ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَغَيْرِهِمْ . وَمَدَحَ عُبَّادَ الْعِجْلِ وَتَنَقَّصَ هَارُونَ وَافْتَرَى عَلَى مُوسَى . فَقَالَ: وَكَانَ مُوسَى أَعْلَمَ بِالْأَمْرِ مِنْ هَارُونَ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا عَبَدَهُ أَصْحَابُ الْعِجْلِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا إيَّاهُ وَمَا قَضَى اللَّهُ بِشَيْءِ إلَّا وَقَعَ فَكَانَ عَتْبُ مُوسَى أَخَاهُ هَارُونَ لَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ فِي إنْكَارِهِ وَعَدَمِ اتِّسَاعِهِ ؛ فَإِنَّ الْعَارِفَ مَنْ يَرَى الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ ؛ بَلْ يَرَاهُ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ فَذَكَرَ عَنْ مُوسَى أَنَّهُ عَتَبَ عَلَى هَارُونَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ وَأَنَّهُ لَمْ يَسَعْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ فَإِنَّ الْعَارِفَ مَنْ يَرَى الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ ؛ بَلْ يَرَاهُ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ . وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الِافْتِرَاءِ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَعَلَى اللَّهِ وَعَلَى عُبَّادِ الْعِجْلِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى أَنَّهُ أَنْكَرَ الْعِجْلَ إنْكَارًا أَعْظَمَ مِنْ إنْكَارِ هَارُونَ وَأَنَّهُ أَخَذَ بِلِحْيَةِ هَارُونَ لَمَّا لَمْ يَدَعْهُمْ وَيَتَّبِعْ مُوسَى لِمَعْرِفَتِهِ . قَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى } { قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } { فَرَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي } قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت