بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ { يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } . وَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ قَائِمِينَ بِالْإِسْلَامِ كَانُوا مَنْصُورِينَ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ التُّرْكِ وَالْهِنْدِ وَالصِّينِ وَغَيْرِهِمْ فَلَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمْ مَا ظَهَرَ مِنْ الْبِدَعِ وَالْإِلْحَادِ وَالْفُجُورِ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ الْكُفَّارُ قَالَ تَعَالَى: { وَقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا } { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا } { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } { إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } . وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ: هُولَاكُو - مَلِكُ التُّرْكِ التَّتَارِ الَّذِي قَهَرَ الْخَلِيفَةَ بِالْعِرَاقِ وَقَتَلَ بِبَغْدَادَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا يُقَالُ: قَتَلَ مِنْهُمْ أَلْفَ أَلْفٍ وَكَذَلِكَ قَتَلَ بِحَلَبِ دَارِ الْمُلْكِ حِينَئِذٍ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَقُولُ هُوَ - لِلْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ بُخْتَ نَصَّرَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ . وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ هَؤُلَاءِ دِيَارَ الْمُسْلِمِينَ ظُهُورُ الْإِلْحَادِ وَالنِّفَاقِ وَالْبِدَعِ حَتَّى أَنَّهُ صَنَّفَ الرازي كِتَابًا فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَعَمَلِ السِّحْرِ سَمَّاهُ"السِّرُّ الْمَكْتُومُ فِي السِّحْرِ وَمُخَاطَبَةِ النُّجُومِ"وَيُقَالُ: إنَّهُ صَنَّفَهُ لِأُمِّ السُّلْطَانِ عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ لَكْشِ بْنِ جَلَالِ الدِّينِ خَوَارِزْم شاه وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَكَانَ للرازي بِهِ اتِّصَالٌ قَوِيٌّ حَتَّى أَنَّهُ وَصَّى إلَيْهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَصَنَّفَ لَهُ كِتَابًا سَمَّاهُ"الرِّسَالَة الْعَلَائِيَّة فِي الِاخْتِيَارَاتِ السَّمَاوِيَّةِ". وَهَذِهِ الِاخْتِيَارَاتُ لِأَهْلِ الضَّلَالِ بَدَلُ الِاسْتِخَارَةِ الَّتِي عَلَّمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ جَابِرٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ } وَأَهْلُ النُّجُومِ لَهُمْ اخْتِيَارَاتٌ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا أَخَذَ طَالِعًا سَعِيدًا فَعَمِلَ فِيهِ ذَلِكَ الْعَمَلَ لِيَنْجَحَ بِزَعْمِهِمْ وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ كُتُبًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَذَكَرُوا كَثْرَةَ مَا يَقَعُ مِنْ خِلَافِ مَقْصُودِهِمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ وَيَأْمُرُونَ بِهِ وَكَمْ يُخْبِرُونَ مِنْ خَبَرٍ فَيَكُونُ كَذِبًا وَكَمْ يَأْمُرُونَ بِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ شَرًّا والرازي صَنَّفَ الِاخْتِيَارَاتِ لِهَذَا الْمَلِكِ وَذَكَرَ فِيهِ الِاخْتِيَارَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ فِي"السِّرّ الْمَكْتُوم"