عَقْلِيَّةً عَلَى ثُبُوتِ الرَّبِّ وَعَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ . وَقَدْ يَقُولُونَ أَيْضًا: إنَّهُ أَخْبَرَ بِالْمَعَادِ ؛ لَكِنْ نَفَوْا الصِّفَاتِ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ النَّفْيِ لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّسُولُ فَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَلَا ذَكَرَ دَلِيلًا عَقْلِيًّا عَلَيْهِ ؛ بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ الْإِثْبَاتَ وَلَيْسَ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا فَأَحْوَجَ النَّاسَ إلَى التَّأْوِيلِ أَوْ التَّفْوِيضِ فَلَمَّا نَسَبُوا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لَا دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ ، لَا خَبَرَ يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ عَاقَبَهُمْ اللَّهُ بِجِنْسِ ذُنُوبِهِمْ فَكَانَ مَا يَقُولُونَهُ فِي هَذَا الْبَابِ خَارِجًا عَنْ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ فَإِذَا اخْتَبَرَهُ الْعَارِفُ وَجَدَهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ جِنْسِ شُبُهَاتِ أَهْلِ السَّفْسَطَةِ وَالْإِلْحَادِ الَّذِينَ يَقْدَحُونَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ . وَأَمَّا السَّمْعُ فَخِلَافُهُمْ لَهُ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِنَّمَا يَظُنُّ مَنْ يُعَظِّمُهُمْ وَيَتْبَعُهُمْ أَنَّهُمْ أَحْكَمُوا الْعَقْلِيَّاتِ فَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ وَجَدَهُمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ النَّارِ: { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } فَلَمَّا كَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ سَلَبَهُمْ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْرِفَةَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ حَتَّى كَانُوا مِنْ أَضَلِّ الْبَرِيَّةِ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ قَدْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْ النَّبِيِّينَ وَهَذَا مِيرَاثٌ مِنْ فِرْعَوْنَ وَحِزْبِهِ اللَّعِينِ .