فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 106

وَالرِّسَالَةُ هِيَ كَلَامُهُ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَمْ تَكُنْ رِسَالَةٌ . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَلَامًا يَقُومُ بِذَاتِهِ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ يَتَكَلَّمُ والنفاة مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْكَلَامُ صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ عَنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ صِفَةُ ذَاتٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَالْحَيَاةِ يَقُومُ بِذَاتِهِ وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكُلُّ طَائِفَةٍ مُصِيبَةٌ فِي إبْطَالِ بَاطِلِ الْأُخْرَى . وَالدَّلِيلُ يَقُومُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ ذَاتٍ وَفِعْلٍ تَقُومُ بِذَاتِ الرَّبِّ وَالرَّبُّ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَأَدِلَّةُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ كُلُّهَا إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَهَذَا حَقٌّ وَأَدِلَّةُ مَنْ قَالَ إنَّهُ صِفَةُ ذَاتٍ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ يَقُومُ بِذَاتِهِ وَهَذَا حَقٌّ وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ أَحَدَهُمَا كَمَنْ قَالَ إنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ أَوْ قَالَ إنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَهَؤُلَاءِ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُثْبِتُوا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ وَلَا أَثْبَتُوا لَهُ كَلَامًا ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: مَا لَا يَعْقِلُ . هَذَا يَقُولُ: إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَامَ بِالذَّاتِ وَهَذَا يَقُولُ: حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ وَهَذَا يَقُولُ: مَخْلُوقٌ بَائِنٌ عَنْهُ . وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَ لِطَائِفَةٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ مَا فِي قَوْلِهِمْ مِنْ الْفَسَادِ وَلَمْ يَعْرِفُوا عَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ حَارُوا وَتَوَقَّفُوا وَقَالُوا: نَحْنُ نُقِرُّ بِمَا عَلَيْهِ عُمُومُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مَخْلُوقًا أَوْ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ أَوْ مَعْنًى قَائِمٍ بِالذَّاتِ فَلَا نَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهُدَى فِي هَذِهِ الْأُصُولِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ فِيهَا هُوَ مَعْرِفَةُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ أَنْفَعُ وَأَعْظَمُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ لَا سِيَّمَا وَالْقُلُوبُ تَطْلُبُ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ فِي هَذِهِ بِالْفِطْرَةِ وَلِمَا قَدْ رَأَوْا مِنْ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا . وَهَؤُلَاءِ يَذْكُرُونَ هَذَا الْوَقْفَ فِي عَقَائِدِهِمْ وَفِيمَا صَنَّفُوهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ كَمَا قَدْ رَأَيْت مِنْهُمْ مِنْ أَكَابِرِ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِمِصْرِ وَالشَّامِ قَدْ صَنَّفُوا فِي أُصُولِ الدِّينِ مَا صَنَّفُوهُ وَلَمَّا تَكَلَّمُوا فِي"مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ"وَهَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ ؟ أَوْ قَدِيمٌ ؟ أَوْ هُوَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ ؟ أَوْ مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ ؟ نَهَوْا عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَقَالُوا: الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ مَا قَالَهُ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَيُمْسِكُ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ . وَهَؤُلَاءِ تَوَقَّفُوا عَنْ حَيْرَةٍ وَشَكٍّ وَلَهُمْ رَغْبَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالدِّينِ وَهُمْ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَمْ يَعْلَمُوا إلَّا هذه الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ: قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ والكلابية والسالمية وَكُلُّ طَائِفَةٍ تُبَيَّنُ فَسَادَ قَوْلِ الْأُخْرَى وَفِي كُلِّ قَوْلٍ مِنْ الْفَسَادِ مَا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ مِنْ قَبُولِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ هَذِهِ فَرَضُوا بِالْجَهْلِ الْبَسِيطِ وَكَانَ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَكَانَ أَسْبَابُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَافَقُوا هَؤُلَاءِ عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِمْ وَدِينِهِمْ وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ بِطَرِيقَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ كَمَا سَلَكَهَا مَنْ ذَكَرْته مِنْ أَجِلَّاءِ شُيُوخِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى إمْكَانِهَا بِكَوْنِهَا مُرَكَّبَةً كَمَا سَلَكَ الشَّيْخُ الْآخَرُ وَهَذَا يَنْفِي عَنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَذَلِكَ نَفْيٌ عَنْهُ أَنَّهُ جِسْمٌ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ وَحُذَّاقُ النُّظَّارِ الَّذِينَ كَانُوا أَخْبَرَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ وَأَعْظَمَ نَظَرًا وَاسْتِدْلَالًا بِهَا وَبِغَيْرِهَا قَدْ عَرَفُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت