فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 106

؛ بَلْ مِنْ الطَّوَائِفِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ قَدِيمٌ بِنَفْسِهِ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ صَانِعٌ وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ مُحْدَثٌ حَدَثَ بِنَفْسِهِ بِلَا صَانِعٍ فَهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ طَائِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَإِنَّمَا يُحْكَى عَمَّنْ لَا يُعْرَفُ . وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ وَأَمْثَالِهِ يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ فَسَادٌ فِي عَقْلِهِ صَارَ بِهِ إلَى السَّفْسَطَةِ وَالسَّفْسَطَةُ تَعْرِضُ لِآحَادِ النَّاسِ وَفِي بَعْضِ الْأُمُورِ ؛ وَلَكِنْ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ كُلُّهُمْ سُوفِسْطَائِيَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ ؛ فَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِحُدُوثِ الْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ . وَهَؤُلَاءِ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ كُلَّ مَوْصُوفٍ أَوْ كُلَّ مَا قَامَتْ بِهِ صِفَةٌ أَوْ فِعْلٌ بِمَشِيئَتِهِ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَمُمْكِنٌ لَزِمَهُمْ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ كُلِّ مَوْجُودٍ ؛ إذْ كَانَ الْخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ مُتَّصِفًا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْأُمُورِ الاختياريات مِثْلَ أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَيَخْلُقُ مَا يَخْلُقُهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا انْتِفَاءَ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَنْهُ ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ وَالْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَإِذَا كَانَ حَادِثًا كَانَ لَهُ مُحْدِثٌ قَدِيمٌ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الرَّبَّ وَأَنَّهُ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الصِّفَاتِ وَوُجُودُهُ مُطْلَقٌ لَا يُشَارُ إلَيْهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ . وَيَقُولُونَ: هُوَ بِلَا إشَارَةٍ وَلَا تَعْيِينٍ وَهَذَا الَّذِي أَثْبَتُوهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الذِّهْنِ فَكَانَ مَا أَثْبَتُوهُ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ الصَّانِعُ لِلْعَالَمِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ وَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ تَعْطِيلَ الصَّانِعِ . فَجَاءَ إخْوَانُهُمْ فِي أَصْلِ الْمَقَالَةِ . وَقَالُوا: هَذَا الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الصِّفَاتِ هُوَ الْوُجُودُ السَّارِي فِي الْمَوْجُودَاتِ فَقَالُوا بِحُلُولِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: هُوَ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَالْإِطْلَاقِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ فِي الْعَالَمِ كَالْمَادَّةِ فِي الصُّورَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ فِي الْعَالَمِ كَالزُّبْدِ فِي اللَّبَنِ وَكَالزَّيْتِ والشيرج فِي السِّمْسِمِ وَالزَّيْتُونِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . و"الْمَقْصُودُ هُنَا"أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ قَوْلُهُمْ مَا قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَفْعَالُ وَالْأُمُورُ الِاخْتِيَارِيَّةُ أَوْ الْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ ثُمَّ قَالُوا: وَالْجِسْمُ لَا يَخْلُو مِنْ الْحَوَادِثِ وَأَثْبَتُوا ذَلِكَ بِطُرُقِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَخْلُو عَنْ الْأَكْوَانِ الْأَرْبَعَةِ: الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَخْلُو عَنْ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَخْلُو عَنْ الْأَعْرَاضِ وَالْأَعْرَاضُ كُلُّهَا حَادِثَةٌ وَهِيَ لَا تَبْقَى زَمَانَيْنِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الآمدي وَزَعَمَ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيَّةِ اعْتَمَدُوا عَلَيْهَا والرازي اعْتَمَدَ عَلَى طَرِيقَةِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الطُّرُقِ وَجَمِيعِ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى حُدُوثِ الْجِسْمِ وَإِمْكَانِهِ وَذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ كَلَامَهُمْ هُمْ أَنْفُسِهِمْ فِي فَسَادِ جَمِيعِ هَذِهِ الطُّرُقِ وَأَنَّهُمْ هُمْ بَيَّنُوا فَسَادَ جَمِيعِ مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حُدُوثِ الْجِسْمِ وَإِمْكَانِهِ وَبَيَّنُوا فَسَادَهَا طَرِيقًا طَرِيقًا بِمَا ذَكَرُوهُ كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَأَمَّا الهشامية والكرامية وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ جِسْمٌ قَدِيمٌ فَقَدْ شَارَكُوهُمْ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ؛ لَكِنْ لَمْ يَقُولُوا بِحُدُوثِ كُلِّ جِسْمٍ وَلَا قَالُوا: إنَّ الْجِسْمَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْحَوَادِثِ ؛ إذْ كَانَ الْقَدِيمُ عِنْدَهُمْ جِسْمًا قَدِيمًا وَهُوَ خَالٍ مِنْ الْحَوَادِثِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت