و"الْوَحْيُ"وَحْيَانِ: وَحْيٌ مِنْ الرَّحْمَنِ وَوَحْيٌ مِنْ الشَّيْطَانِ قَالَ تَعَالَى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } وَقَالَ تَعَالَى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } وَقَدْ كَانَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبَى عُبَيْدٍ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ حَتَّى قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ لِأَحَدِهِمَا إنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقَالَ: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } وَقِيلَ لِلْآخَرِ: إنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَقَالَ { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } . فَهَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْفُرْقَانِ الْإِيمَانِيِّ الْقُرْآنِيِّ النَّبَوِيِّ الشَّرْعِيِّ أَعْظَمَ مِنْ حَاجَةِ غَيْرِهِمْ وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حِسِّيَّاتٌ يَرَوْنَهَا وَيَسْمَعُونَهَا وَالْحِسِّيَّاتُ يُضْطَرُّ إلَيْهَا الْإِنْسَانُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَمَا قَدْ يَرَى الْإِنْسَانُ أَشْيَاءَ وَيَسْمَعُ أَشْيَاءَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَمَا أَنَّ النُّظَّارَ لَهُمْ قِيَاسٌ وَمَعْقُولٌ وَأَهْلُ السَّمْعِ لَهُمْ أَخْبَارٌ مَنْقُولَاتٌ وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ هِيَ طُرُقُ الْعِلْمِ: الْحِسُّ وَالْخَبَرُ وَالنَّظَرُ وَكُلُّ إنْسَانٍ [ يَسْتَدِلُّ ] مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ؛ لَكِنْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَنْوَاعِ أَغْلَبَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ الدِّينِ كَالطِّبِّ فَإِنَّهُ تَجْرِبَاتٌ وَقِيَاسَاتٌ وَأَهْلُهُ مِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ وَالْقِيَاسُ أَصْلُهُ التَّجْرِبَةُ وَالتَّجْرِبَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ قِيَاسٍ ؛ لَكِنْ مِثْلَ قِيَاسِ الْعَادِيَّاتِ لَا تُعْرَفُ فِيهِ الْعِلَّةُ وَالْمُنَاسَبَةُ وَصَاحِبُ الْقِيَاسِ مَنْ يَسْتَخْرِجُ الْعِلَّةَ الْمُنَاسِبَةَ وَيُعَلِّقُ الْحُكْمَ بِهَا وَالْعَقْلُ خَاصَّةُ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ وَالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ لِيَعْتَبِرَ بِهَا وَالْحِسُّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ صَاحِبِهِ عَقْلٌ وَإِلَّا فَقَدْ يَغْلَطُ . وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: غَلِطَ الْحِسُّ وَالْغَلَطُ تَارَةً مِنْ الْحِسِّ وَتَارَةً مِنْ صَاحِبِهِ ؛ فَإِنَّ الْحِسَّ يَرَى أَمْرًا مُعَيَّنًا فَيَظُنُّ صَاحِبُهُ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ فَيُؤْتَى مِنْ ظَنِّهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْعَقْلِ . وَلِهَذَا النَّائِمُ يَرَى شَيْئًا وَتِلْكَ الْأُمُورُ لَهَا وُجُودٌ وَتَحْقِيقٌ ؛ وَلَكِنْ هِيَ خَيَالَاتٌ وَأَمْثِلَةٌ ؛ فَلَمَّا عَزَبَ ظَنَّهَا الرَّائِي نَفْسَ الْحَقَائِقِ كَاَلَّذِي يَرَى نَفْسَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ يُكَلِّمُ أَمْوَاتًا وَيُكَلِّمُونَهُ وَيَفْعَلُ أُمُورًا كَثِيرَةً وَهُوَ فِي النَّوْمِ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ نَفْسَهُ الَّذِي يَقُولُ وَيَفْعَلُ لِأَنَّ عَقْلَهُ عَزَبَ عَنْهُ وَتِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي رَآهَا مِثَالُ صُورَتِهِ وَخَيَالُهَا ؛ لَكِنْ غَابَ عَقْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْمِثَالَ هُوَ نَفْسُهُ فَلَمَّا ثَابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ خَيَالَاتٌ ومثالات ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَغِيبُ عَقْلُهُ بَلْ يَعْلَمُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ وَهَذَا كَاَلَّذِي يَرَى صُورَتَهُ فِي الْمِرْآةِ أَوْ صُورَةَ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ هِيَ الشَّخْصُ حَتَّى أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ بِالشَّخْصِ . وَهَذَا يَقَعُ لِلصِّبْيَانِ وَالْبُلْهِ كَمَا يُخَيَّلُ لِأَحَدِهِمْ فِي الضَّوْءِ شَخْصٌ يَتَحَرَّكُ وَيَصْعَدُ وَيَنْزِلُ فَيَظُنُّونَهُ شَخْصًا حَقِيقَةً وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَيَالٌ فَالْحِسُّ إذَا أَحَسَّ [ حِسًّا ] صَحِيحًا لَمْ يَغْلَطْ لَكِنْ مَعَهُ عَقْلٌ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ هَذَا الْعَيْنِ وَالْمِثَالِ ؛ فَإِنَّ الْعَقْلَ قَدْ عَقَلَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ مِثَالًا وَقَدْ عَقَلَ لَوَازِمَ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْهَوَاءِ وَلَا فِي الْمِرْآةِ وَلَا يَكُونُ بَدَنُهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ . وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مُكَاشَفَاتٌ وَمُخَاطَبَاتٌ يَرَوْنَ