يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ انْتِفَاءُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ . قَالُوا: فَإِنْ كَانَ لَوْ دَفَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ لَزِمَ دَفْعُ شَيْءٍ مِمَّا يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ فَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهَذَا هَوَسٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ وَاقِعٌ لَكِنْ يَقَعُ أَيْضًا مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْهُ كَثِيرٌ أَوْ لَا يُمَيِّزُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ كَمَا يَقَعُ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ . فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَسْمَعُ خِطَابًا أَوْ يَرَى مَنْ يَأْمُرُهُ بِقَضِيَّةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْخِطَابُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي يُخَاطِبُهُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ . وَرِجَالُ الْغَيْبِ هُمْ الْجِنُّ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ إنْسِيٌّ وَقَدْ يَقُولُ لَهُ: أَنَا الْخَضِرُ أَوْ إلْيَاسُ بَلْ أَنَا مُحَمَّدٌ أَوْ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَوْ الْمَسِيحُ أَوْ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ أَوْ أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ أَوْ الشَّيْخُ فُلَانٌ مِمَّنْ يُحْسِنُ بِهِمْ الظَّنَّ وَقَدْ يَطِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَأْتِيهِ بِطَعَامِ أَوْ شَرَابٍ أَوْ نَفَقَةٍ فَيَظُنُّ هَذَا كَرَامَةً ؛ بَلْ آيَةً وَمُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا لَيْسَ عَلَيْهِ فَهَذَا وَمِثْلُهُ وَاقِعٌ كَثِيرًا أَعْرِفُ مِنْهُ وَقَائِعَ كَثِيرَةً كَمَا أَعْرِفُ مِنْ الْغَلَطِ فِي السَّمْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ . فَهَؤُلَاءِ يَتَّبِعُونَ ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتْبَعُ ذَوْقَهُ وَوَجْدَهُ وَمَا يَجِدُهُ مَحْبُوبًا إلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا بَصِيرَةٍ فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِلَا ظَنٍّ وَخِيَارُهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ . وَهَؤُلَاءِ إذَا طُلِبَ مِنْ أَحَدِهِمْ حُجَّةٌ ذَكَرَ تَقْلِيدَهُ لِمَنْ يُحِبُّهُ مِنْ آبَائِهِ وَأَسْلَافِهِ كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: { إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } وَإِنْ عَكَسُوا احْتَجُّوا بِالْقَدَرِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ هَذَا وَسَلَّطَنَا عَلَيْهِ فَهُمْ يَعْمَلُونَ بِهَوَاهُمْ وَإِرَادَةِ نُفُوسِهِمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ كَالْمُلُوكِ الْمُسَلَّطِينَ وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ فَيَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ لَا يَتَّبِعُونَ إرَادَتَهُمْ وَمَا يُحِبُّونَهُ هُمْ وَيَرْضَوْنَهُ وَأَنْ يَسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ فَيَقُولُونَ: { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مَا أُوتُوهُ مِنْ الْقُوَّةِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْحَالِ ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجِدِّ وَقَدْ كَانَ { النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَفِي الِاعْتِدَالِ بَعْدَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ } . فَالذَّوْقُ وَالْوَجْدُ هُوَ يَرْجِعُ إلَى حُبِّ الْإِنْسَانِ وَوَجْدِهِ بِحَلَاوَتِهِ وَذَوْقِهِ وَطَعْمِهِ وَكُلُّ صَاحِبِ مَحَبَّةٍ فَلَهُ فِي مَحْبُوبِهِ ذَوْقٌ وَوَجْدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسُلْطَانِ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَاحِبُهُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } .