على سبيل الجدل والرأي، ولربما عرضت على الملأ من الناس، ولربما اختير للمشاورة مناقشة الرأي من لا علم عنده ولا بصيرة، لكي يَضِلَ ويُضَل-نسأل الله السلامة والعافية- فأصبح الناس في لبس من أمور دينهم، ومن أعظم ما يقع من المنكرات أن يجلس الناس في المجالس العامة يتذاكرون أمور الدين ومسائل العبادة التي قد يكون بعضها اجتهاديًا يحتاج إلى النظر ويحتاج إلى تأنٍ وروية، ومع ذلك لا يتورعون ولا يخافون الله- U- في مسائل الشرع كلٌ يقول، وكلٌ يفتي، والله الموعد، فكل قائل مسؤول عما يقول، وأمور الدين أمور عظيمة: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} قال العلماء: يدخل في هذا الوعيد الشديد من تكلم في مسائل العلم، فقال: الحكم كذا وكذا، وفي رأيي كذا وكذا، وهو ليس بأهل أن يتكلم في هذه المسائل، والأدهى والأمَرُّ قد تكون هذه المسائل جديدة نازلة لو عُرضت على العالم العامل من السلف لجثى على ركبتيه خوفًا من الله أن يقول في دين الله ما لا علم له، وقد سُئل أبو بكر- t وأرضاه- عن قوله-تعالى-: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} فقال:"أي سماء تظلني، وأي أرض تُقِلُّني، إن قلت في كتاب الله ما لا علم لي"فينبغي على الناس أن يكفوا ألسنتهم عن الخوض في مسائل الدين، وأعظم من هذا وأشد جريمة إذا كانت مسائل الدين قد بينها رب العالمين، وفصل حكمها من فوق سبع سماوات، وبين صوابها وهديها، ثم يأتي هؤلاء لكي يضيقوا ما وسع الله، أو يطلقوا العنان لما قيده الله .. أفا أفٍ لهم ولما يدعون، وسبحان الله عما يصفون. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فالمشورة في أمور الدين لا تكون إلا مع العلماء، وواجبٌ على كل مسلم إذا طرأت عليه المسألة في أمور الدين أن يحتسب الأجر عند الله بالرجوع إلى العلماء، وأن يسألهم عما نزل به وَجَدَّ من المسائل حتى يكون في أموره على الهدي والشرع، وفي مشاورة النبي- صلى الله عليه وسلم - للصحابة - في مسألة الأذان - تعتبر في بدايتها مشورةً، وفي نهايتها آلت إلى الوحي والشرع، فإن الله- I- جعل الرؤيا سبيلًا لمعرفة الحق، وقد بينا في المجلس الماضي أن هذه الرؤيا لعبد الله بن زيد- t وأرضاه- تعتبر مقرةً من الوحي، فلما أقرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أصبحت تعبدية شرعية، ولذلك قال جماهير العلماء-رحمهم الله-: إن ألفاظ الأذان تعبدية لا يزاد فيها ولا ينقص منها، فلا يجوز للمسلم أن يزيد في الأذان حرفًا واحدًا كما لا يجوز أن ينتقص منه، وقد جاءت الرواية عن النبي- صلى الله عليه وسلم - كما في سنن أبي داود من حديث عبد الله ابن زيد قال: