الصفحة 64 من 523

وكذلك يشترط في الإنسان الذي يُشاوَر: أن يكون أمينًا دينًا؛ لأن الدين والأمانة كل منهما يحمل الإنسان على قول الحق وألا يكتم صاحبه النصيحة، ولذلك إذا وقعت المشورة في مكانها وكان المشاوَر أمينًا حري بالمُشاوِر أن يلهم الصواب من الله- U- ، وأن يجري الله الحق على لسان من شاوره، وأما إذا وقعت المشورة مع من لا يحسنها فإن العواقب وخيمة، فالناس الذين لا يحسنون المشورة لا ينبغي أن يشاوروا، والمشورة تقع في أمرين:

الأمر الأول: ما يكون من أمور الدين ومسائل العبادات ونحوها مما يلتحق بأحكام المعاملات.

والأمر الثاني: أن تكون المشورة في أمور الدنيا، فأما مشورة الدين فإنها تقع بين العلماء وطلاب العلم، فهؤلاء هم الذين يتذاكرون المسائل ويتناظرون فيما يَجِدُّ ويطرأ عليهم من النوازل، ومن هنا ينبغي للعلماء أن يكون بينهم الحب والود في الله- U- حتى يكون ذلك أبلغ في وصولهم للصواب والحق، ويعترف الصغير بفضل الكبير فيراجع الأصاغر الأكابر، ويكون أمرهم شورى بينهم - كما أخبر الله- U- ولا يستبد الصغير برأيه، ففي الشباب الطيش والعجلة، وفي الكبار الحكمة والروية، ومن هنا توضع الأمور في موضعها وتصيب السداد من أمرها، فالمنبغي على طلاب العلم والعلماء أن يتذاكروا مسائل العلم، ومن هنا قال بعض الفضلاء: لا ينبل الرجل حتى يأخذ العلم عمن هو فوقه، ومن دونه، ومن هو مثله، فطالب العلم لا يستنكف عن العلم ولا يتكبر على الحق، الحكمة ضالته وبغيته ونِشْدَته أنى وجدها أخذها، يطلبها ممن هو أعلم منه وممن هو مثله من طلاب العلم، لا يشعر بالغضاضة ولا بالنقص، وأما بالنسبة لغير العلماء فلا ينبغي لهم أن يتذاكروا مسائل العلم على سبيل الاجتهاد وبيان الحق فيها، وقد كان المسلمون في الأزمنة الأولى يراجعون العلماء، وإذا نزلت بهم النوازل وألمت بهم المسائل رجعوا إلى العلماء الراسخين في العلم، فسألوهم عن أمور دينهم، وتحرى كل سائل من هو الذي يعرف بالدين، والورع، والعلم، والبصيرة حتى يكون حجة له بينه وبين الله، فكانت أمورهم في الدين على السداد والرشاد ولما تغير الناس أصبحت أمور الدين محلًا لكل من هب ودب، يتباحثون في أمور الدين باسم حرية الرأي، وأنه يجوز لكل إنسان أن يبحث عما يقتنع به دون أن ينظر إلى دليل الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح لهذه الأمة، فأصبحت مسائل العلم تطرح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت