الصفحة 63 من 523

النداء، ولكن رأى الرؤيا ولم يكن ذلك النداء مشتملًا على الأذان حتى جاءت الرؤيا، وفي حديث أبي داود - في السنن: أنَّ عمر بن الخطاب- t وأرضاه- رأى رؤيا الأذان وكتمها عن النبي- صلى الله عليه وسلم - عشرين يومًا، وقد قرر طائفة من العلماء أن هذا الكتمان لم يكن على قصد، وإنما كان من عمر على سبيل النسيان، فلما سمع أذان بلال- t وأرضاه- تذكر الرؤيا، ومن هنا يحتمل أن عمر بن الخطاب- t- أشار بالنداء إجمالًا، ثم جاء حديث عبد الله بن زيد بالنداء المفصِل للأذان، ومن هنا يجمع بين الحديثين، وفي حديث ابن عمر-رضي الله عنهما- الذي معنا أن النبي- صلى الله عليه وسلم - شاور الصحابة في أمر الأذان. والمشاورة والشورى أمر مضى عليه هدي النبي- صلى الله عليه وسلم - ، فكان-عليه الصلاة والسلام- يشاور أصحابه في الأمور ولم يكن يَسْتَبِدُّ بالرأي إلاَّ أن الوحي قد ينزل عليه بالأمر الذي لا مساغ للمشورة فيه.

وهنا إشكال: كيف يشاور النبي- صلى الله عليه وسلم - الصحابة في أمر تعبدي مع أن المشورة تكون في أمور الدنيا وما يكون تابعًا لها، وأما أمور الدين فالأصل أن يكون فيها الحكم للوحي؟

وقد أجيب عن ذلك بأن الأذان كان وسيلة إلى الصلاة ولم يتبين محض التعبد فيه إلا بعد نزول الوحي بالإقرار، ومن هنا يرتفع الإشكال، وفي مشاورة النبي- صلى الله عليه وسلم - للصحابة كما في حديثنا وحديث عبد الله بن زيد-رضي الله عن الجميع- فيه دلالة على مشروعية المشاورة المحمودة، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على فضل المشاورة وأخذ الآراء والنظر في الأمور حتى يتوصل المسلم إلى أحسنها وأصوبها؛ ولذلك قال الله-جل وعلا-: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} وأثنى على عباده المؤمنين فقال في كتابه المبين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ومن هنا قال العلماء-رحمهم الله- إن المشاورة أفضل وعد ذلك من حكمة الحكيم وعقل العاقل أن يشاور من هو أعلم منه؛ ولذلك قال الشاعر:

شَاوِرْ أَخَاكَ إِذَا ناَبَتْكَ نَاِئِبَةٌ يَومًَا وَإنْ كُنْتَ مِنْ أَهْل الْمَشُوْرَاتِ

فَالْعَيْنُ تُبْصِرُ مَا دَنَا وَنَأَى وَلاَ تَرىْ مَا بِهَا إلاَّ بِمِرْآةِ

فالعاقل الحكيم يشاور الناس في الأمور إلا أن المشاورة لاتكون إلا مع أهلها الذين يستحقون أن يشاوروا ويؤخذ رأيهم، والأصل في ذلك أن يكون المشاوَر معروفًا بالعقل، فإذا كان الذي يُشاوَر معروفًا بالعقل والحكمة فإنه حري أن يدل الإنسان على أصوب الأمور وأحسنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت