وقال طائفة من العلماء: ما أسفل الكعبين في النار سواء كان للخيلاء أو كان لغير الخيلاء.
واحتج الجمهور بهذا الحديث، وبحديث أبي بكر، فإنه قال: - يا رسول الله - إن أحد شقي إزاري يسقط إلا أن أرفعه وفي رواية:"إلا أن أتعاهده"، فقال- صلى الله عليه وسلم -: (( إنك لست ممن يجره خيلاء ) ).
والصحيح ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني أنه لا يجوز للمسلم الذَّكَرْ أن يجاوز إزاره أو ثوبه أو لباسه أسفل الكعبين؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: (( ما أسفل الكعبين ففي النار ) )فعمم في ذلك ولم يخص حالًا دون حال وأما قوله-عليه الصلاة والسلام- لأبي بكر: (( إنك لست ممن يجره خيلاء ) )فينبغي أن يتأمل في هذا الحديث، ففي الحديث أمر دقيق ينبغي لمن نظر فيه أن يمعنه؛ وذلك أن أبا بكر قال:"إن أحد شقي إزاري يسقط إلا أن أتعاهده"أي: أنه إذا علم بسقوطه رفعه، وهذا يدل على أن حال سقوط الإزار ومجاوزته للكعبين تقع حال غفلة أبي بكر، والغافل غير مكلف حال الغفلة؛ لأنها ضرب من الخطأ وليس فيه عمد القلوب كما قال- I-: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} فهو يقول:"إلا أن أتعاهده"أي: إذا علمت به رفعته، فهذا لا يوافق حال من يترك إزاره وثوبه دون الكعبين مع وجود العلم والإدراك، ثم إن إزار أبي بكر يرفع، وأما ما يفصل من الثياب فمستقر ثابت والفرق في هذا بيّنٌ واضح، ومن هنا لا يقوى القول بحمل المطلق على المقيد في حديث: (( لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء ) )فإن هذا الحديث صريح في الدلالة على الوعيد الشديد لمن جر إزاره خيلاء، وهناك عقوبتان لمن أسفل إزاره دون الكعبين. فمن أسفل إزاره دون الكعبين ولم يقصد الخيلاء فقد قال- صلى الله عليه وسلم -: (( ما أسفل الكعبين ففي النار ) )فيعذب صاحبه بعذاب في النار بنص الخبر.
وأما إذا جره خيلاء وتكبرًا-نسأل الله السلامة والعافية- فإن الله يعذبه بالعقوبتين بنفي النظر في قوله: (( لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء ) )وهذا في عرصات يوم القيامة، وبعذاب النار في قوله: (( ما أسفل الكعبين ففي النار ) )-نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجيرنا من النار-.