ذكر للرحمن موجب لطرد الشيطان، ففي الصحيح عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( إذا أذن المؤذن تولى الشيطان وله ضراط حتى يبلغ فج الروحاء ) )وفج الروحاء: قريب من مسيرة يوم كامل من المدينة، فعلى هذا ينبني القول بمشروعية الأذان والإقامة في الأجهزة الحديثة.
وأما ما اجتهد به بعض العلماء وبعض الأئمة من قفل أجهزة النداء عند الإقامة بقصد أن يكون ذلك رفقًا بالناس - فالظاهر أنه اجتهاد مخالف للمقصود من السنن، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم - قصد ارتفاع الصوت في الأذان ولا يخفى أن وقت الأذان أوسع من وقت الإقامة، وأما اعتذار بعض العلماء بأن الإقامة في الجهاز توجب الكسل وتدعو الناس إلى التأخر عن الصلاة - فاجتهاد مقابل للنص؛ لأن النص علل ذلك ببلوغ النداء، وحصول الذكر لله- U- وقد قال- صلى الله عليه وسلم -: (( إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك فأذن وارفع صوتك، فإنه لا يسمع مدى صوتك ... الحديث ) )فدل هذا على أن رفع الصوت مقصود بهذا الذكر الشريف المبارك، وكذلك قراءة الأئمة في الصلوات الجهرية في الجهاز فلا ينزعج من ذلك إلا مريض القلب، فإن ذكر الله رحمة والقرآن شفاء لما في الصدور: {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} فهذه نعمة من الله، ولقد حدثت طائفة من الأخيار: أن من أسباب هدايتهم سماعهم لآيات تتلى في الليل أو في النهار، وحدثني بعض أهل العلم: أنه اهتدى بسماع قارئ يقرأ في صلاة الجمعة فسمعه يتلو سورة الغاشية فأصابه الهم والخوف من الله حتى كان ذلك سببًا في هدايته وصلاحه، فليترك الناس على ما ألفوه - خاصة في البلاد التي عرفت بحب ذلك والطمأنينة له - ولقد ميز الله- U- هذه البلاد بارتفاع نداء الحق وسماع كلام الله- U- ، ومن سافر خارجًا عنها فإنه يتأوه ويتألم وينفطر قلبه لفوات كثير من هذه النعم العظيمة، فالمقصود أن المستحب ترك هذه الأجهزة يسمعها الناس ويتعظون ويذَّكِرون، وفي ذلك نعمة ورحمة بالمؤمنين.
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( فألق عليه ) ): قال طائفة من العلماء: المقصود منه أن يُعَلِّمَ بلالًا ألفاظ الأذان، وألفاظ الأذان كانت خافية على الصحابة-رضوان الله عليهم- وعبد الله- t وأرضاه- قد سمع هذا الكلام الذي نودي به، وحفظه، ولقنه لبلال- t وأرضاه-.