وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( إنها لرؤيا حق ) ): شهادة من النبي- صلى الله عليه وسلم - بأن هذه الرؤيا التي رآها عبد الله - t وأرضاه- أنها حق، والحق: ضد الباطل، وهو الأمر الذي يكون على الصواب والرشد، وكأنه يشير-عليه الصلاة والسلام- أنها من الله- U- .
ومن هنا قال بعض العلماء-رحمهم الله-: الرؤيا الصالحة: أن يرى العبد في منامه من يأمره بالخير، أو ينهاه عن الشر، أو يدله على سبب فيه خير الدين أو الدنيا أو هما معًا. فذلك كله من الرؤى الصالحة التي جعلها الله لعباده الصالحين نسأل الله العظيم من فضله العظيم.
وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( إنها لرؤيا حق ) ): قال بعض شراح الحديث: إن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان على علم بالأذان، وقد سمعه-عليه الصلاة والسلام- في السماء، فلما أخبر به عبد الله- t- صدقه رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وأثبته. وهذا القول ضعيف، والصحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم - لما أخبره عبد الله بن زيد اطمأن لرؤياه، ورأى ما فيها من الخير وذكر الله- U- فشهد بأنها رؤيا حق. فأصبحت بإقرار النبي- صلى الله عليه وسلم - سواءً كان بإيعاز من الوحي أو كان منه -عليه الصلاة والسلام- أصبح ذلك موجبًا بالحكم بكونها تشريعًا إلهيًا لعباده المؤمنين، قال بعض العلماء: ثبتت مشروعية الأذان بهذه الصفة - أعني بالرؤيا الصالحة -، وقد كان بالإمكان أن يكون النبي- صلى الله عليه وسلم - دالًا عليها قالوا: لاشتمال الأذان على شهادة أن محمدًا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، وكون ذلك يأتي عن غيره أنسب وألطف وأكمل في الشهادة له-عليه الصلاة والسلام- أنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم تسليمًا وزاده تشريفًا وتكريمًا -.
وقوله: (( قم مع بلال ) ): أخذ بعض العلماء من هذه العبارة جملة من المسائل والأحكام:
المسألة الأولى: فضل بلال بن أبي رباح- t وأرضاه- مؤذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - العابد القانت الصابر الثابت- t وأرضاه-.
قال بعض العلماء: إن الله اختار بلالًا للأذان حيث كان- t- من أعظم الصحابة ابتلاءً في شهادة التوحيد: حيث إنه- t وأرضاه- بطح على الرمضاء وذاق حرها وبلاءها وشرها، كل ذلك يقال له: ارجع عن دين محمد فيقول: أحدٌ أحدٌ! فشهد بوحدانية الله، وأوذي في الله واحتسب الثواب عند الله، وثبت على كلمة التوحيد وإخلاص العبادة لله، فشرفه الله وكرمه وفضله فجعله داعيًا إلى الصلاة ينادي على رؤوس الناس: أشهد أن لا إله إلا الله،