ومن هنا يكون القول الراجح - إن شاء الله تعالى - أن الأذان مشروع بالمدينة وليس بمكة، وأن ما ورد من الأخبار في السِّيَر أن الصحابة أذنوا بمكة ضعيف ولم يصح في ذلك عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - حديث صحيح، وأن الأذان شرع في السنة الثانية من هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم - .
وحديث عبد الله بن زيد- t- الذي معنا له قصة وردت في السير وهي ثابتة في الرواية الأخرى التي وردت بطولها: حيث إن النبي- صلى الله عليه وسلم - حينما قدم المدينة اشتكى إليه الصحابة-رضوان الله عليهم- أنهم إذا تحينوا الصلاة ربما فاتتهم؛ بسبب عدم وجود الأذان، وبسبب عدم وجود العلامة والأمارة التي يميزون بها دخول الوقت، فشق على أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - الأمر، ثم إنه-عليه الصلاة والسلام- استشارهم في ذلك فقالوا: نضرب بالناقوس، وقالوا غير ذلك مما هو مشهور، فلما أجمعوا على أنهم يضربون بالناقوس طاف بعبد الله بن زيد- t- وهو نائم طائف ومعه الناقوس فقال له عبد الله- t-: - يا عبدالله - أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: ننادي به إلى الصلاة، قال: أوَلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فجاء حديث الترمذي في هذه الرواية بعد هذا الخبر: فلما أصبح عبد الله- t- انطلق إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وأخبره الخبر، ففي هذه الرواية التي معنا قال-عليه الصلاة والسلام-: (( إنها لرؤيا حق ) ).
قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( إنها لرؤيا حق ) ): الضمير عائد إلى ما وقع لعبد الله بن زيد- t- حال النوم، يقال: رأى الشيء يراه رؤية. والرؤية: تكون بالبصر وبالبصيرة، والحال أن الإنسان إذا نام فإنه يرى الأشياء وذلك من عالم الروح الذي لا يعلمه إلا الله علام الغيوب، ولذلك يقال لها: رؤيا، والمراد بها أنها في حكم ما يراه الإنسان، فكأن النائم قد رأى بأم عينيه ما وقع له في نومه، وما يقع للإنسان حال النوم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يعتبر من الرؤى الحق التي هي وحي من الله- I- يقذفه في قلب العبد ولكنه لا يأخذ حكم الوحي من جهة الحكم بكون الإنسان كالأنبياء؛ وإنما هي مثل ما يقع للأنبياء