الصفحة 46 من 523

الترمذي: حيث ذكرها من طريق محمد بن إسحاق - صاحب السير - وقد تقدم معنا - غير مرة - أن القول المعتدل فيه: أنه ثقة ما لم يعنعن، وقد دلس هاهنا فعنعن، وقد بين العلماء-رحمهم الله- أن الإمام محمد ابن إسحاق قد سمع هذا الحديث من محمد بن إبراهيم التيمي-رحمة الله على الجميع-، وقد ورد ذلك مصرحًا به في رواية الإمام الحافظ أبي داود - وذلك في سننه - فقد ذكر الرواية بالتصريح بالسماع والحديث، ومن هنا جزم العلماء-رحمهم الله- بصحة الخبر.

وحديث عبد الله بن زيد- t- الذي ذكره المصنف هنا يعتبر من أهم الأحاديث التي بينت بدء الأذان، وذلك أن أهل العلم-رحمهم الله- اختلفوا في الأذان: هل كان بمكة أو شرع بالمدينة بعد قدوم النبي- صلى الله عليه وسلم - إليها؟

فقال بعض العلماء: إن الأذان شرع بمكة.

واستدلوا لذلك بأحاديث كلها ضعيفة، وقد بين ذلك الإمام الحافظ ابن حجر، وكذلك جزم به الإمام الحافظ ابن رجب-رحمة الله على الجميع- فلم يصح عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه أذن أو أمر بالأذان بمكة، إنما الصحيح أن الأذان شرع بالمدينة. وقد أشار الإمام البخاري-رحمه الله تعالى- في صحيحه إلى هذه المسألة فاستنبط الشراح-رحمهم الله- حينما أورد الآيات الكريمة - أعني قوله- I-: { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ} وكذلك قوله- I-: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} - فلما ذكر الإمام البخاري-رحمه الله- هاتين الآيتين الكريمتين بعد الترجمة بقوله:"باب بدء الأذان". فهم من ذلك العلماء-رحمهم الله- أن الإمام البخاري يقول: إن الأذان شرع بالمدينة؛ والسبب في ذلك: أن هاتين الآيتين الكريمتين مدنيتان بإجماع، ومن هنا كان إيراده لهاتين الآيتين فيه إشارة إلى أن الأذان تشريع مدني.

واختلف العلماء-رحمهم الله- هل كان الأذان مشروعًا في السنة الأولى من الهجرة أو الثانية؟

فقال بعض العلماء: شرع الأذان في السنة الأولى من هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وقال طائفة من العلماء - وهو مذهب الجمهور: إن الأذان شرع بعد بدر، وقال بعضهم: بعد بدرٍ بشيء يسير؛ والسبب في ذلك: أنه نودي للصلاة ببدرٍ بدون أذان، وهذا يدل على أنه شرع بعد غزوة بدرٍ لا قبل غزوة بدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت