ومنها الوفاء وضده الغدر .. فلو عاهد قوم فعليه أن يوفي لهم بعهدهم .. ولا ينبذه إلا على سواء .. وفي قصة صلح الحديبة وما لحق بها من أحداث فكان من بركة الوفاء .. أن نبغت صورة جديدة من صور الجهاد .. قادها أبو بصير وأبو جندل .. وكتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيهما الكثير من الحث على الوفاء والبعد عن الغدر .. قال - سبحانه وتعالى - {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ 91} وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ {92} .. النحل .. يقول ابن كثير رحمه الله"تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ"أي خديعة ومكرًا .."أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ"أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم .. فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم .. فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى .. إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه .. فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق الأولى .. أهـ من تفسير ابن كثير ..
وأخرج البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - رضي الله عنهم - عنِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أربعٌ مَن كُنّ فيه كانَ مُنافِقًا، أو كانت فيه خَصْلَةٌ من أربعٍ كانت فيه خَصْلَةٌ منَ النّفاقِ حتى يَدَعَها: إذا حدّثَ كذَبَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا عاهَدَ غدَرَ، وإذا خاصمَ فَجَرَ» .. وروى مسلم في صحيحه: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، كَحُرْمَةِ أُمهَاتِهِمْ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلاَّ وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ. فَمَا ظَنُّكُمْ؟» .