وإذا أدركنا هذه الحقيقة المرة، ندرك أية ع7لقرية كانت كامنة في جوانح الشيخ المترجم له؛ فقد أجمع أمره على أن يقف حياته على طلب العلم، وأن يعطي نفسه أمنًا وطمأنينة وسكينة خاصة تصل برباطها الوثيق بينه وبين المهمة التي أزمع أن يقف حياته عليها، فتراه إذ ذاك في وادٍ وأغلب ناشئة عصره ـ من زملائه وأترابه ـ في واد آخر، ولعمر الحق إن هذا هو الطموح والمثابرة الذي يعجز عنه بعض الكبار فضلًا عن الصغار، ولكنها الهمم العلية، واستسهال الصعاب مهما كانت مكابدتها، وصدق الشاعر إذ يقول:
لأستَسهلنَّ الصَّعْبَ أو أدرِك المُنى ... *** ... فما انقادتِ الآمالُ إلا لِصابرِ [1]
لقد ارتضى المترجم له العلم والمعرفة خدينًا وأليفًا، ولم يرق في نظره ـ من رجال زمنه ـ سوى طبقة العلماء؛ فلازمهم ملازمة الظل، وأكب على الاغتراف من معين علمهم وفضلهم وأخلاقهم، فتغذى أطيب غذاء، وروى أكرم ريٍّ، وكابد المصاعب والمشاق؛ يسهر الليل، ويجتهد في النهار؛ لا فرق عنده بين ليل الصيف والشتاء، حتى حصَّل ما أراد، وحقق ما أمل، ووفق إلى تحقيق مبتغاه، وهكذا المكافحون المثابرون يقطفون الثمرة في النهاية شهية يانعة، وصدق الشاعر إذ يقول:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... *** ... ومدمن القرح للأبواب أن يلجأ [2]
يقول الشيخ محمد القاضي: (وكان شيخنا منذ نشأته: صالحًا، مثارًا للإعجاب وأنظار الناس، محافظًا على الصلوات الخمس مع الجماعة، حتى لقد حدثني أبي رحمه الله أنه خرج لصلاة الفجر صباح سطوة آل سليم، وله من العمر خمس عشرة سنة، والقصر فيه الرماة، والناس كلهم متحصنون في منازلهم خوفًا على أنفسهم، فقابله بعض الناس، فقالوا: إلى أين تريد؟! فقال: لصلاة الفجر. فضربه حتى ألجأه إلى الرجوع إلى منزله) [3] .
المبحث الثالث
(1) سيرة العلامة ابن سعيد ص7.
(2) قائل هذا البيت محمد بن بشير الخارجي، انظر: الشوارد (1/130) .
(3) روضة الناظرين (1/220) .