الصفحة 6 من 8

إن عودة تحليليةً إلى أصل الحديث تُظهر أن المقصود به لا علاقة له بموضوع الإقامة في بلاد المشركين من قريب أو بعيد. فالحديث قاله صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة الذين جاؤوا يطلبون الدية منه لأقرباءَ مسلمين لهم كانوا قد قتلوا بأيدي المسلمين في غزوة بني المصطلق. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك قاصدًا أنه بريء من الدم والدية لهؤلاء المسلمين الذين لم يعلم بوجودهم بين أظهر المشركين أصلا، فالبراءة في الحديث براءة من الدية والدم، والحالة تتعلق بأفراد من المسلمين الذين يقيمون مع قوم هم في حالة حرب معلنة مع جماعة المسلمين، ولو علم الرسول بوجودهم لربما تغير وجه المعركة (فربما كان من الممكن أن يستفيد منهم في عملٍ من الداخل) . وواضح بعد هذا البيان أن من التعسف أخذ هذا الحديث، واستخراج مثل تلك (الفتوى) منه بغرض تعميمها في مجال الإقامة في غير بلاد المسلمين. بينما كان الأَولى - على الأقل - تخصيصُهُ بالحالات المشابهة لتلك الحالة، أو اعتباره واحدا من منظومةٍ متكاملة من الأحاديث التي تتعرض لهذا الشأن، والتي يمكن من تحليلها جملة، استخراج ملامح الهدي النبوي في هذا الشأن الحساس.

مثال آخر هو أحاديث الربا. فقد ورد ما يقارب من ثلاثة وسبعين حديثا عن الربا، من أشهرها حديث عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الذهب بالذهب يدًا بيد، هاءً بهاء، سواءً بسواء، والفضة بالفضة يدًا بيد، هاء بهاء، سواء بسواء ... الخ"1. هذا الحديث في ظاهره يدعو إلى التساؤل: هل من المعقول أن يشتري الإنسان فضة بفضة أو شعيرًا بشعير بحيث يكونا متماثلين تماما بالكمية والنوعية؟ ما الفائدة من ذلك؟ وأي معنى في أن يحمل الإنسان مثلا كيسا من الأرز من نوع معين إلى إنسان آخر ليقايضه بكيس مقابلٍ يحوي الكمية نفسها والنوعية نفسها من الأرز؟؟ .. هذا ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحكم الناس، ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وفيه الحكمة كلها. فكيف يأمر بشيء لا فائدة للناس من عمله؟ إن التساؤل لا يزول إلا بجمع الأحاديث الواردة في هذا الباب بغية تحليلها وفهمها مجتمعة. وبهذه الممارسة نجد في هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين جاءه بتمر جنيد (أي تمر منقى) :"هذا التمر جيد من أين جئت به؟ فقال معاذ: يا رسول الله بعت صاعين من الجمع بصاع من هذا التمر لطعامك. فقال عليه الصلاة والسلام: أوه، عين الربا، فلا تفعل، ولكن بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيدا"2.

إن تدبر هذا الحديث يزيل الإشكالية المذكورة أعلاه نهائيا، وذلك حين نستشفُّ منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعمل على تغيير النظام الاقتصادي في المدينة من نظام يقوم على المقايضة إلى آخر يقوم على الوسيط النقدي، لأنه لا يمكن أن تُبنى حضارة ويقوم عمران، بنظام المقايضة. ولنا أن نتصور حياة يقوم فيها الناس ليل نهار بحمل أكياس من الخضار والفواكه لاستبدالها بالملابس والأغراض، أو دفعها مقابل الخدمات وغير ذلك من الأمور .. وحيث أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس من الثوريين الذين يغيرون مسيرة الحياة بالقرارات الثورية المباشرة، أو بالمراسيم الجمهورية والملكية، فقد ارتأى التدرج مع الناس بما علمه الله من الحكمة. فلم يمنع أن يتبادل الناس بالمقايضة إذا كانت السلع مختلفة (أرزًا بحنطة، أو سمنًا بشعير) ، وكذلك لم يمنع من المقايضة لنفس السلع ولكن بشرط أن يكون هناك تماثل كامل في هذا المجال، بحيث يصبح ربا الفضل غير معقول، ويُعرضُ الناس عنه إلى البديل النقدي مع الأيام.

وهكذا نجد أنه إذا نظر الإنسان إلى حديث الذهب بالذهب وحده، لربما قال: إن من المستحيل أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، لأنه لا فائدة البتة من هذه المقايضة، فيكون قد كذّبَ حديثًا صحيحًا أو مقبولا. ولكن عندما يأخذ مجمل الأحاديث التي جاءت في شأن الربا ويدرسها متكاملة، يدرك حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم في محاولته لنقل الناس تدريجيا إلى نظام اقتصادي نقدي.

إن مثل هذه الأمثلة توضح كيف يمكن قراءة الحديث النبوي الشريف قراءة واعية تساهم في تحقيق خلافة الإنسان على هذه الأرض وإعمارها، دون تعسف في اشتقاق الأحكام والفتاوى منها من جهة، ودون استعجال في ردها أو تكذيبها من جهة أخرى. إلا أن المؤسف أن كثيرا من الناس غير المؤهلين يتعاملون مع السنة بهذا الشكل الجزئي، الأمر الذي يجعل تكذيب الأحاديث أسهل طريق لديهم، لأنهم لا يدركون كيف قيلت ولم قيلت. الأمر الذي يظهر مدى الحاجة الماسة لدينا إلى كثير من الوعي والحذر والدراية في تعاملنا مع السنة الشريفة.

وفي الوقت نفسه، فإن من أشد الأمور لزوما وضرورة في منهج التعامل مع السنة أن نربطها بالقرآن، وإلاّ وقعنا في إشكالية أخرى، ألا وهي نسخ آيات القرآن الواضحة الصريحة البينة ببعض الأحاديث. فنحن نعرف مثلا أن الله جلّ شأنه اعتبر حرية الاختيار هي الأمانة: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} (الأحزاب:72) . وقال في حرية الاختيار: {لا إكراه في الدين} (البقرة:256) . وهناك ما يقارب من مئتي آية في القرآن تؤكد هذا المعنى. قال تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمسُ والقمرُ والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت