الصفحة 5 من 8

الأمرُ كثيرا من العلماء، فبدأت عملية تدوين المسانيد والمجاميع والصحاح. وبذل مجموعة من علماء المسلمين جهدًا جبارًا ومشكورًا لم يعرف التاريخ له مثيلا، لمجابهة التحدي المتمثل في إيجاد منهجية تعمل على حفظ السنن وتنقيتها.

وقد قامت هذه المنهجية على دعامتين: منهج الرواية والإسناد والتصحيح، ومنهج نقد وغربلة المتون. أما الأول فهو يدرس رجال كل حديث دراسة ممعنة تثبت أن هؤلاء صادقين. فالحديث هو ما رواه العدل التام الضبط المتصل السند عن مثله إلى منتهاه. وأما الثاني فهو يدرس المتن الذي يجب أن يكون"من غير شذوذ ولا علة قادحة". وقد ذكر الدكتور السباعي رحمه الله في كتابه"السنة النبوية ومكانتها في التشريع"ستة عشر شرطا ليكون الحديث صحيحا. ولكن المؤسف أن هذه المنهجية لم توضع متكاملة ولم تَعمل أو تُستعمل كمنهجيةٍ واحدة ذات جانبين، وإنما شَغلت المنهجية الأولى المحدثين، فعُنوا بالأسانيد أكثر مما عنوا بنقد المتون، فيما انشغل الفقهاء - في مقابل ذلك - بالمتون أكثر من الأسانيد. لذلك قد نجد عند الفقهاء بعض الأحاديث التي يوجد خلل في أسانيدها، في الوقت الذي نجد فيه المحدثين يصححون أحاديث في متونها شئ من الشذوذ أو العلة القادحة.

إلا أن هذا لا يقلل من أهمية الجهد الذي بذله علماؤنا لتنقية السنة، كما أنه لا يبرر بأي حال مقولات البعض من أنه يكفينا القرآن الكريم ويمكننا الاستغناء عن السنة النبوية، فهذا كلام في منتهى الخطورة. ذلك أن القرآن الكريم لا يمكن أن ينفصل عن حامله صلى الله عليه وسلم ولا عن سنته، وإذا كان القرآن الكريم هو المصدر المُنشِئ للأحكام، فإن السنة النبوية هي المصدر المُبيِّن لها، ولا يمكن تجاوزها وتجاهلها بحال من الأحوال. وإنما يصبح الواجب متمثلا في حُسن التعامل مع ذلك الرصيد بحكمةٍ وعلم ومنهجية ودراية، بحيث يمكن تجاوز الإشكاليات التي لا تظهر في قضية التعامل مع السنة، إلا لقلة العلم والفقه في هذا المجال التخصصي الخطير، أو لشدة الحماسة والعاطفة السطحية المفتقدة أيضا إلى ضوابط الفقه والعلم الأصيل.

منهجية فهم الحديث

وتبرز في قضية التعامل مع الحديث أول ما تبرز أيضا مشكلة النص والواقع. فحينما يجد الإنسان نصًا لا يعرف كيف يتعامل معه، أو يحس - بالفطرة - بأن هذا النص بالفهم الشائع له لا يُخاطب واقعه المعين، فإنه إما أن يحاول تجاوزه، أو أن يؤّول أو يلوي عنقه ليستجيب لحاجته أو ليكف عن معارضته. فتبدأ في الظهور أطروحات عدم الحاجة للسنة، والاكتفاء بالقرآن، أو إمكانية - وربما ضرورة - تجاوز خبر الآحاد جملة، والاكتفاء بالمتواتر من الأحاديث، أو تجميد وتجاوز الأحاديث التي تتعارض مع المصلحة، إلى غير ذلك من الطروحات ..

والحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها في هذا المجال هي أن من غير الممكن إخضاع هذا الدين الكامل لرغباتنا أو شهواتنا، بحيث يكون ما نرغبه هو المرجع في هذا السبيل. وإنما لابد لنا من معرفةٍ تجعلنا قادرين على التعامل المنهجي مع الحديث النبوي. فنعرف على سبيل المثال أن هذه السنن أنواعٌ، وأن بعضها صحيحٌ، وبعضها ملزم، وبعضها موضوع، وبعضها مرفوض. ولا بد لنا كذلك من أن نعرف المناسبات والظروف التي قيلت فيها هذه الأحاديث فنعرف مقاصدها وغاياتها. ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك.

المثال الأول في قوله صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تراءى ناراهما"1. إن المعنى المباشر للحديث يوحي باختصاصه بقضية المفاصلة في السكنى والإقامة مع المشركين، وفعلا فقد استدلَّ بهذا الحديث كثير من الفقهاء على حرمة السكنى في بلاد المشركين إلا لسفارة أو تجارة ولمدة لا تتجاوز أربعة أيام. والمشكلة - من جهة - أن الحديث بهذا الفهم يناقض ما أمر به الرسول المسلمين الأوائل من الهجرة إلى بلاد الحبشة والإقامة فيها زمنا، وما أمر به مصعبا من الإقامة في المدينة قبل الهجرة بغرض الدعوة والتعليم ومعظم أهلها مشركون، ويناقض أيضا فعل كثير من التابعين على مر التاريخ. كما أنه - من جهة أخرى - يتناقض مع منطق الواقع ومتغيراته، حيث تفرضُ الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعاصرة هجرة مجموعات بشرية كبرى من مكان إلى آخر، طلبا للأمن والحرية أو بحثا عن لقمة العيش. فضلا عن صعوبة الادعاء الحاسم اليوم بوجود (دار الإسلام) في شكلها العرفي الذي عرفه العلماء، بحيث يتوجب الإقامة فيها، لما يتوافر فيها من العدل والحرية، ومن الأمن على الدين والنفس والمال والعرض، ومن إقامة حكم الله ...

والحال مع مثل هذه الأحاديث عند البعض أن يتسرع فيرد الحديث بمجمله أو يلغي العمل به بسبب تلك الملابسات، فيكون مكذبا لحديثٍ صحيح أو مقبول لا يجوز تكذيبه. الأمر الذي قد يُشعل غيرة البعض الآخر على سنة رسول الله، فتبدأ المعارك الكلامية، ويكثر اللغط واللجاج، وما ذلك إلا لقلة البضاعة التي تمكن من العودة إلى تحليل الحديث وظروفه وملابساته، بحيث يُفهم الفهم الواعي، ويوضع في مكانه الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت