من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (الحج 18) . فبعض الناس يسجد وبعضهم لا يسجد، بخلاف بقية المخلوقات التي ليس لها خيار إلاّ أن تسجد. والمشكلة تظهر حين يرى البعض أن كل هذه الآيات منسوخة بحديث رووه عن نافع - وهو غلام ابن عمر رضي الله عنه - قال فيه:"إنما كان هذا والإسلام ضعيف، ولكن حينما بسط الإسلام جرانه فلا يقبل من الناس إلا الإسلام أو السيف"!! .. ومثل ذلك ما يراه ابن حزم (وهو من عباقرة هذه الأمة) من أن {لا إكراه في الدين} (البقرة:256) منسوخةٌ بقوله صلى الله عليه وسلم:"من بدّل دينه فاقتلوه"1.
والواضح أن هذا الحديث قيل في المجتمع الإسلامي الناشئ، الذي حاول بعض اليهود والنصارى أن يخترقوه من داخله ثم يخرجوا عليه في عملية حربية نفسية بالغة الإيذاء والخطورة، وتتصف بالغدر والخيانة. وقد قال الله جل شأنه عن هؤلاء: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران:72) . ولذلك كان الحكم صارما ضد من يحاول أن يضرب هذا الدين ويقوضه من داخله. فعندما توجد مثل هذه الحالة يطبق مثل هذا الحكم. مع أن من المهم أن نعرف أن المقصود من العقوبة ليس إكراههم على الرجوع إلى الدين وإنما إكراههم على الرجوع إلى الجماعة. كما تجب الإشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف المنافقين بأسمائهم، بل كان المسلمون جميعا يعرفون اسم زعيمهم ابن سلول، لكنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل لهم شيئا، ولم يقتلهم أو يُقم عليهم حد الردة، وفي هذا ما فيه من المعاني المتعلقة بهذا الموضوع. وكذلك فإن الله جلّ شأنه رتب عقوبة أخروية على الردة ولم يرتب عقوبة دنيوية فقال: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} (البقرة:217) وقال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} (المائدة:54) .
ونحن إذا انتقدنا ذلك الاتجاه الخطير الأول إلى إنكار السنة أو إلغائها، فإننا نرى أن الأخطر من ذلك هو نفي قيم القرآن الكبرى الحاكمة، ونسخ آياته الصريحة الواضحة بهذا الشكل المتسرع. والحل في الأمرين هو إيجاد منهجية علمية لفهم الحديث النبوي، تتجاوز النظر إلى كل حديث بمفرده وكأنه كيان مستقل منفصل تُستخرج منه الأحكام، لأن تعدد الأحاديث في الموضوع الواحد يمكن أن يؤدي إلى تعدد الدلالات، التي يمكن أن يكون بعضها متضاربا، الأمر الذي سيدفعنا بعد ذلك إلى الادعاء بأن البعض ناسخ والآخر منسوخ، أو أن البعض متقدم والآخر متأخر .. وهكذا .. بحيث نقوم بعملية تقطيع ظالمة للسنة النبوية، إما أن تكون نتيجتها تشويه معالم الهدي النبوي الأصيلة الشاملة، أو إضاعة أجزاء واسعة ومقدرة منه.
إن من المعروف على سبيل المثال أن الإمام الطبري يصف الإمام أحمد بأنه محدث وليس فقيها. ففي بعض المسائل يجد الباحث أن للإمام أحمد أربعة وعشرين قولا، كما في كتاب"الإنصاف في مسائل الخلاف". وعلى القارئ أن يختار من بين هذه الأقوال. ولقد قيل للإمام:"يا أبا عبد الله، كيف هذا؟ فقال: ما دام الحديث قد صح عندي فأقول بمقتضاه لا يهمني بعد ذلك شيء". فهذا منهج الإمام أحمد، يتبعه حتى لو تعارضت دلالات الأحاديث، وتعددت - أو تضاربت - الفتاوى إلى درجة كبيرة، لأنه يرى في ذلك أمانة وخروجا من الشبهة. وبدلا من هذا المنهج الذي اجتهد به الإمام أحمد، والذي لا يمكن أن نلزم عموم الأمة به، فإن من الممكن الانتقال إلى منهج يقوم على جمع الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد، بحيث يتضح الرابط المنهجي بينها، تمهيدا لترتيبها زمنيا ودراسة أسانيدها للتأكد من مدى صحتها، ثم دراسة متونها وتحليلها للتأكد من عدم وجود شذوذ أو علل قادحة فيها، وذلك بغية الاستنباط منها في نهاية هذه العملية البحثية المنهجية.
وبغير هذه المنهجية، سيظل التعامل مع السنة النبوية الشريفة قاصرا في الاتجاهين، عن الإحاطة بالمنهج النبوي في الحياة والحركة والعمل والدعوة، وسنرى شرائح من الناس تنكر الحديث النبوي، أو تختار منه ما يروق، وتدع ما لا يروق. وليس الأمرُ أمرَ تنازلٍ لمثل هؤلاء كما قد يظن بعض السذج في هذه الدعوة إلى المنهاجية، وإنما هو إشفاقٌ على البشرية من ضياع هذا الكنز النبوي، أو تشويهه وتغيير ملامحه الأصيلة، فلا يعودَ بعد ذلك تلك المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي أعلمنا أنه لا يزيغ عنها إلا هالك.
1 انظر الموطّأ: 9، 89.
1 يُراجع الكشّاف للزمخشري 2/ 121 - 122. طبعة طهران بدون تاريخ.
1 رواه الإمام مالك في الموطأ.
2 رواه ابن ماجة في السنن.
1 رواه البخاري في كتاب الأنبياء.
1 المسند لأحمد بن حنبل: 162، 192.