الصفحة 45 من 54

وفي اللوحة النابضة التي ينقلها لنا أبو شامة في الروضتين عن يوم فاجعة الأمة بموت قائدها المجاهد, دليل واضح عن علوّ المكانة وسموّ المقام الذي يتبوّؤه هذا الرجل العظيم (رضي الله عنه) في ضمير الأمة الإسلامية. يقول أبو شامة [1] : كان يوما لم يصب الإسلام والمسلمين بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدين, وغشي القلع والبلاد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وتاالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداء من يعزّ عليهم بنفوسهم فكنت أحمل ذلك على ضرب من التجوّز والرخص, إلا ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدى بالنفس ... ثم يسترسل مبيّنا حالة الناس عند توديع الجثمان: ... حتى أن العاقل يتخيّل أن الدنيا كلها تصبح صوتا واحدا, وغشى الناس من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصلاة, وصلى الناس عليه أرسالا.

الشاعر يرثي صلاح الدين:

وإزاء هذا الموقف الجليل, ما كان للشاعر المسلم, المتميز بشفافية الحسّ ورقّة الوجدان وسرعة التأثر ... أن يلزم الصمت ويلوذ باللامبالاة, مع العلم وأن الموت نهاية كل حيّ ولا مفقود أعز من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلا أن الشاعر ينبري بحساسية الشاعر الملهم والتزام الجندي المخلص ووفاء المواطن الصالح ... ليملأ أذان الدهر بقصائد تسيل رقة وشفافية وصدقا, مترجما انفعال الشعور العام الإسلامي وتأثر ضمير الأمة بموت قاهر الصليبيين وناصر الإسلام.

من للعلا من للذّرى من للهدى ... يحميه من للنّاس من للنّائل؟

طلب البقاء بملكه في آجل ... إذ لم يثق بقاء ملك عاجل

(1) الروضتين للمقدسي- ج 2 ص 213 و 214

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت