وقد آل أمر العلاقة بين الفكر الإسلامي، وبين واقع المسلمين في العصر الحديث إلى ذات الوضع، الذي كان انتهى إليه عهد الانحطاط، والذي سِمَتهُ العامة كما ذكرناه الجفاء بين الفكر، وبين الواقع. فلما نشأت الصحوة الإسلامية الحديثة، منذ أواخر القرن الماضي، اجتهد المصلحون في وصل ما كاد ينقطع بينهما، وفي اتخاذ دراسة الواقع الإسلامي المتردّي منطلقًا لتوجيه الحياة وجهة التدين، وقد أخطأتها في عدة مجالات من حياة الفرد والجماعة.
ذاك ما فعل جمال الدين الأفغاني حينما طوف بالعالم الإسلامي يختبر علله وأدواءه، ثم اقترح منهجه الإصلاحي السياسي، وما فعل الإمام محمد عبده في درسه للعلل الاجتماعية، ثم اقتراح منهجه الإصلاحي الاجتماعي وما فعل الإمام حسن البنّا حينما خبر دخائل المجتمع المصري، ومن خلاله المجتمع الإسلامي، ثم اقترح منهجه الإصلاحي الشامل المتقوم أساسًا بإصلاح عقدي ثقافي.
وكان من المنتظر بحسب تنامي الصحوة الإسلامية، أن يتقدم هذا الوصل بين الفكر والواقع، في حلقات متتابعة من النضج، يفضي الأعم منها إلى الأخص، وتُستخدم فيه الوسائل العلمية المساعدة على تحليل الواقع، وفهم ملابساته وأسبابه، تمهيدًا في ذلك لتنزيل الدين عليه، حتى ينصلح بحسبه فيما زاغ منه عنه.ولكن عوامل عطلت حركة التقدم في هذا الوصل، لعل من أهمها ما بلغه الواقع الإسلامي في ذاته من تعقّد شديد. وما قوبلت به الصحوة الإسلامية من صدّ عنيف، ومن قمع وتنكيل، شغلها عن التطور الطبيعي في معالجة الواقع، ودفع بفصائل منها إلى نزعة مثالية كثيرًا ما تؤول إليها حركات الإصلاح لمّا تقابل بالتنكيل.