الصفحة 97 من 233

ولعل من أبرز هذه النماذج ابن حزم الظاهري (ت 456هـ ) الذي انخرط في الواقع السياسي والاجتماعي، وأصبح وزير الأمويين بالأندلس، كما عاين عن كثب الواقع الثقافي والعقدي، وتعمق في درسه، وأثمر ذلك كله اجتهادًا فقهيًّا ثريًّا، يتراءى في كتابه"المحلّي"، وفكرًا عقديًّا حيًّا، يتراءى في كتابه"الفصل في الملل والأهواء والنحل". ومنهم العز بن عبد السلام (ت 660هـ ) الذي ساهم في الأحداث السياسية والاجتماعية بمصر، مقاومة لظلم السلاطين، وانتصارًا للعامة من المسلمين، فتراءى ذلك في تنظيره الفقهي المتميز، الذي دونه في كتاب"القواعد". ومنهم الإمام ابن تيمية (ت 728هـ ) الذي خبر واقع المسلمين بالخوض في مختلف مجالاته بالشام ومصر، حيث خاض غمار السلم، كما خاض غمار الحرب في جهاد التتار، والذي رصد الواقع الثقافي، وتعمق في فهم ونقد المذاهب والملل والنحل المتسربة إليه والمتفاعلة فيه، وكان لذلك كله الأثر البين في اجتهاده الفقهي والعقدي المتصف بالحيوية والواقعية، كما يبدو في مصنفاته المختلفة. ومنهم ابن خلدون (ت 808 هـ ) الذي وقف بالمعايشة والدرس على واقع المسلمين مغربًا ومشرقًا، كما لم يقف غيره من العلماء، وركب الأحداث السياسية والاجتماعية، وساهم في صنعها، من سفارته للحفصيين إلى الأندلس، إلى توليه المناصب المختلفة بتونس، إلى توليه القضاء بمصر، إلى وفادته إلى المغول بالشام، وكانت ثمرة ذلك كله رائعته الاجتماعية الفريدة مقدمة كتاب العبر. وتشهد هذه النماذج كلها على أنّ التمرس بالواقع الإسلامي، والتعمق في دراسته وفهمه يثمر نضجًا في فهم الدين، وفي معالجة مشاكل المسلمين بهدي من الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت