الصفحة 94 من 233

وعلى هذا النحو أيضًا كان علماء العقيدة الكبار، فقد انطلقوا في الفقه الأكبر، من رصدٍ دقيق لما كان يروج في الواقع الفكري والثقافي والعقدي، من آراء ومذاهب وتصوّرات، ثم قاموا باجتهاد معياري لإثبات العقيدة الإسلامية، وتزييف المقولات التي تعارضها من المعتقدات الدينية، والآراء الفلسفية. وقد كانت الأئمة الكبار كلهم من علماء العقيدة يتصدّون قبل بناء مذاهبهم العقدية إلى تمثل المذاهب والأديان، التي لها صلة قريبة أو بعيدة بساحة الفكر الإسلامي، وعرضها وتصنيفها في أصل بنيتها، وفي تسرباتها في الثقافة الإسلامية، ذلك ما يبدو جليًّا في كتاب الأشعري (ت 324هـ ) مقالات الإسلاميين، وكتاب الغزالي (ت 505هـ ) تهافت الفلاسفة، والملل والنحل للشهرستاني (ت548هـ ) وغيرها كثير مما هو في موضوعها نفسه، وهو ما يدلّ على رصد مُستقص، وتحليل شامل للواقع الثقافي والعقدي في المجتمع الإسلامي.

وبعد الأجيال الأولى، جرى التاريخ الإسلامي بما هو معلوم من انفصال، بين أهل العلم من رجال الفقه والعقيدة، وبين أهل الحكم والسياسية، ومن استفحال للاستبداد السياسي، الذي تجاوز قمع المعارضات السياسية، إلى قمع كل ما فيه مساس بشؤون الحكم، من الرأي العلمي، المتعلق بشؤون الاعتقاد، والمعاملات العامة. وقد كان هذا أحد أهمّ العوامل في ضعف الصلة بين أهل الفكر الإسلامي، وبين واقع المسلمين، نشأ عنه زُهدٌ في هذا الواقع سواء من حيث الانخراط فيه، أو من حيث دراسته وتحليله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت