لقد كان الإمام أبو حنيفة يعيش حياة السوق في العراق، بل كان يتعاطى بنفسه التجارة. ومما تثمره التجارة من فقه واقعي علمًا بطبائع الناس، وأحوال المعاملات، كان يجتهد في فقه الدين كما كان إلى جانب ذلك يجتهد في الشطر الأول من حياته على الأخص في تبين الواقع الثقافي والعقدي في المجتمع الإسلامي، بما كان يشد لأجله الرحال في مجادلة الفرق المختلفة، وأهل الأديان في البصرة على وجه الخصوص، وهي ملتقى الثقافات والفرق والأديان (3 ) ولم يكن هذا التفقه في الواقع أمرًا عارضًا أو شأنًا عفويًّا عند الإمام أبي حنيفة، بل كان مبدأ ثابتًا لديه، يعتبره أساسًا من أسس الاجتهاد، يعلمه لتلاميذه من بين ما يعلمهم من أصول التفقه، وهو يبدو في وصيته لتلميذه أبي يوسف، وهو يتجه إلى البصرة ليعلم الناس، حيث قال له:"إذا دخلت البصرة استقبلك الناس، وزاروك وعرفوا حقك، فأنزل كل رجل منزلته، وأكرم أهل الشرف وعظّم أهل العلم، ووقّر الشيوخ، ولاطف الأحداث، وتقرب من العامة، ودار الفجار، واصحب الأخيار ولا تتهاون بسلطان" (4 ) . وفي هذه الوصية ما يشير إلى أن الفقيه لا يكون الفقيه الحق إلا متى انخرط في واقع الناس، بجميع فئاتهم، وفقه أحوالهم، في نفوسهم وتصرفاتهم، وقد كان أبو يوسف مستوعبًا لهذا المبدأ مبدأ فقه الواقع، وهو الذي أثمر به اجتهاداته الثرية وخاصة كتابه في الخراج.
وقد كان الإمام مالك يرقب واقع المسلمين في المدينة، ويتعمق في فهمه، ليتخذ منه أصلًا من أصول التشريع، وهو ما عرف بعمل أهل المدينة. كما كان الإمام الشافعي ينطلق في اجتهاده الفقهي من فهم واقع الناس، في معاملاتهم وأعرافهم وعاداتهم، ولذلك كان له مذهبان، كما مرّت الإشارة إليه. وعلى غرار هؤلاء الأئمة كان المجتهدون من هذا الجيل في فقههم للواقع، حتى كانت أدلّة عدّة من أدلة الأحكام تشتق من الواقع، مثل المصلحة المرسلة، والعرف، وعمل أهل المدينة.