الصفحة 92 من 233

والواقع الإسلامي على هذا العهد، يبدو على درجة من التعقيد، وتداخل الخيوط، تدعو بإلحاح إلى أن يخصص من جهد الدعاة والمصلحين قدر كبير في سبيل فهمه، واستيعاب حقيقته، بعد تفكيك عناصره وسبر أغواره بالانخراط الواعي فيه أولًا، ثم باستعمال الأدوات العلمية ذاتيًا، وأن يكون ذلك محورًا مهما من محاور السعي في الترشيد الديني لحياة المسلمين. وربما كان التقصير في هذا الأمر من قبل الكثير ممن يحملون هذا الهم سببًا أساسيًّا من أسباب النتائج الضعيفة، التي تبوء بها جهود الدعوة في كثير من الأحيان. إنه شرط موضوعي من شروط النجاح لترقية التدين في حياة الإنسان.

2 -التّجربة التاريخية في فهم الواقع:

كان جيل الصحابة رضي الله عنهم ، وجيل التابعين من بعدهم، هما الجيلان المؤسسان للواقع الإسلامي الأول، فقد بنوا هذا الواقع بناءً مباشرًا بأيديهم، بما مارسوا من الفتوح، وبما أسسوا من هياكل الإدارة والحكم، وبما باشروا من نشر الدعوة الدينية في كل الأرض التي دخلها الإسلام، فكان لهم بذلك كله فقه شامل بواقع المسلمين، الذي بنته أيديهم، وكان ذلك الفقه أساسًا لاجتهاداتهم في فقه الدين وتنزيله، كما بدا جليًّا في اجتهادات عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأمثالهما من فقهاء الصحابة والتابعين.

ثم جاء بعدهم جيل المدارس الفقهية والعقدية في القرن الثاني والثالث، فكان أئمة الفقه المؤسسون لهذه المدارس يتقدمون في إرساء مبادئهم الفقهية أصولًا وفروعًا بقدر ما يتبيّنون من أوضاع المسلمين الواقعية، في عادتهم وأعرافهم ومستجدات ما حدث من مشاكلهم، لما انقلبت حياتهم من الجاهلية بوجوهها المختلفة إلى الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت