الصفحة 91 من 233

إن هذا الفهم العميق لا يتم إلا باستخدام أدوات للرصد والتحليل، تتجاوز الملاحظة الظاهرة، وهي الأدوات المتمثلة أساسًا في العلوم الإنسانية، فيما توصلت إليه من نتائج تقرب من اليقين، في مجال النفس الإنسانية، وفي المجال الاجتماعي والاقتصادي. فهذه العلوم بطرق بحثها وقوانينها أدوات ضرورية للكشف عن التركيبة النفسية الفردية والاجتماعية، التي تشكل الواقع النفسي للفرد وللأمة، فيما تشتمل عليه من مركبات أو أمراض أو عوائق، يكون من الضروري أخذها بعين الاعتبار، حينما يراد تنزيل الدين في واقع الحياة الفردية والاجتماعية. وكذلك الأمر بالنسبة للتركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيما تعانيه من مشاكل، وفيما ترسب فيها من عقد عبر التاريخ، أو عبر التفاعل بين الحضارات والثقافات، فإن علوم الاجتماع والاقتصاد والإحصاء، وما يتعلق بها من علوم، أدوات ضرورية في الكشف عن هذه المعطيات، التي لا غنى عنها في إقامة الدين لتجري عليه الحياة الاجتماعية الشاملة.

يتبين إذًا أن فهم الواقع الإسلامي يستلزم أدبًا كاملًا يوازي ذلك ا لأدب الذي يستلزم فهم الدين. والحق أن الدارسين الإسلاميين لم يولوا هذا الأدب العناية الكافية، كما أولوا من عناية بالفقه الديني، وربما كانت جهود القدامى في هذا الصدد أزكى من جهود المحدثين، فقد كانت المذاهب الفقهية في طور تأسيسها خاصة تقوم على فهم لأحوال المسلمين على عهدها، ومن ثمة انطبع كل مذهب بطابع البلاد التي نشأ فيها، ومن شواهد ذلك أيضًا ما كان للإمام الشافعي من مذهب قديم لما كان بالعراق، وآخر جديد لمّا انتقل إلى مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت