الصفحة 90 من 233

ويقتضي هذا الوضع لواقع الإنسان، أن يكون الاجتهاد في فهمه واستيعاب حقيقته مبنيًّا على أدب خاص، وقواعد تتناسب مع طبيعته، وأن تستخدم فيه وسائط آلية للتحليل والتصنيف والرصد قائمة على أسس علمية، غير متروكة للتلقائية والعفوية.

والمنطلق الأول لفهم الإنسان وواقعه هو الانخراط الفعلي في هذا الواقع: معايشةً للناس، وتعاملًا معهم، في تصرفات الحياة المختلفة، ووقوفًا على مشاكلهم عن كثب، ومساهمة واقعية في مناشطهم المتنوعة، تعميمًا لذلك كله على أوسع نطاق ممكن، من الطبقات، ومن الفئات، ومن أنماط المجتمعات. إن هذا الانخراط الفعلي في الواقع الإنساني، قدر ضروري لا غنى عنه لمن يريد فهمه، سواء كان فقيهًا مشرعًا أو فيلسوفًا مصلحًا أو أديبًا معبرًا عن الطموح الإنساني. وكل من رام غرضًا من هذه الأغراض، في عزلة عن خضم الواقع الإنساني، في مظاهره الفردية والاجتماعية، لا يكون منه إلا مقولات مبنية على المثالية والخيال، فلا تثمر تغييرًا فاعلًا نحو الأصلح، ولنا في ذلك مثال، في المدن الفاضلة التي تصورتها عقول بعض الفلاسفة ومنهم بعض الإسلاميين مثل أبي نصر الفارابي (ت 339هـ ) . ولا تخلو كثير من الآراء الإصلاحية، التي ينادي بها اليوم، بعض المخلصين في الحركة الإسلامية، من خيالية ومثالية، نتيجة التنكب عن ممارسة واقع المشاكل التي يعانيها المسلمون.

ولكن الانخراط الفعلي في واقع الناس لئن كان منطلقًا ضروريًّا لفهم هذا الواقع، فإنه غير موفٍ بالفهم العلمي العميق، الذي ينفذ إلى الخفي من العوامل والأسباب، في تكوين الواقع الفكري والنفسي، وفي تفاعلات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت