الصفحة 89 من 233

ويتصل بهذا كله، اتصال سبب ونتيجة في آن واحد، ما يكون عليه الإنسان من بناء فكري، بمعنى منهجي يكون له دور في تحصيل الرؤى الأيديولوجية، وفي إجراء الأنماط السلوكية، كما يكون له انفعال بها أيضًا، وكذلك ما يكون عليه من وضع نفسي، يتعلق خاصة بالإرادة التي بها تكون فعالية الإنجاز، وبها يكون التفاعل مع الكون استكانةً له، أو اقتحامًا لاستثمار مرافقه. فكل من ذلك الوضع الفكري والنفسي يعد من عناصر الواقع الإنساني، الذي نحن بصدد الحديث عنه.

والواقع الإنساني بالعناصر التي حددناها آنفًا، يختلف لا محالة في طبيعته عن الواقع الكوني، من حيث السنن والقوانين، التي بها يكون انضباط سيرورته. فالواقع الكوني يجري على قانون ثابت، في تحول أوضاعه، وفي تفاعلاته المفضية إلى حركة التغيّر فيه، ولذلك فإن الاجتهاد في فهم حقيقته يثمر المعرفة اليقينية بتلك الحقيقة، لما بنيت عليه من اطراد في سننها، وعلى أساس تلك المعرفة اليقينية، يتعامل الإنسان مع الكون في جهوده التي يبذلها في تكييفه لمصلحته، تعاملًا مبنيًّا على ذلك الاطراد الذي لا يتخلف.

ولكن الواقع الإنساني ليس منضبطًا كواقع الكون، فالعنصر الروحي في تكوين الإنسان والإرادة الحرة التي يختص بها، جعلا هذا الواقع يتصف بقدر كبير من الخفاء في العوامل والأسباب، التي تنشأ عنها الظواهر والأحداث، كما يتصف بقدر كبير من الخصوصية في التفاعل، كان بها غير واضح في انضباطه واطراده. وبهذا كله يكتسب الواقع الإنساني صفة من الغموض من جهة، وصفة من عدم الاطراد في السيرورة من جهة أخرى. وهما صفتان تجعلان منه موضوعًا عصيًّا عن الفهم اليقيني، مقارنة بالمواضيع الكونية، وقد سجل هذا المعنى أحد الفلاسفة المهتمين بالإنسان وهو الكسيس كاريل في كتابه الشهير"الإنسان ذلك المجهول (2 ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت