الصفحة 88 من 233

والأمة الإسلامية تشهد على هذا العهد فصولًا من واقع حياتها، لعلها لم تشهد مثلها من قبل، من حيث تشابك الخيوط. واختلاط العوامل والأسباب، وتعقد الملابسات والمظاهر. وهذا ما يدعو المجتهدين اليوم في إعادة الحياة الإسلامية إلى منهج التدين، إلى بذل جهد مضاعف في فهم واقع الأمة، وتمثل طبيعته وعوامل الفعل فيه. فما هي عناصر الواقع وآليات فهمه عمومًا؟ وكيف كانت التجربة الإسلامية في الاجتهاد لفهم الواقع؟ وما هي العناصر الأساسية التي تحكم واقع المسلمين اليوم، وتوجّه الاجتهاد في فهمه؟

1 -الواقع وآلات فهمه:

نعني بالواقع الإنساني ما تجري عليه الحياة في مجتمع ما من أسلوب في تحقيق أغراض ذلك المجتمع، ويدخل في ذلك مجموع الأعراف والتقاليد والنّظم، التي تتفاعل فينشأ منها الأسلوب في تحقيق الأغراض.

وأسلوب تحقيق الأغراض الحياتية يشتمل على عنصر اجتماعي، متمثل في بنية الترابط الاجتماعي، وطبيعة التنظيمات الاجتماعية التي يمارس من خلالها الأسلوب الحياتي، كما يشتمل على عنصر اقتصادي، متمثل في نظام الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وما يجري عليه من قواعد، كما يشمل عنصرًا سياسيًّا، يتمثل في طبيعة الحكم القائم في المجتمع ونظامه، وعنصرًا ثقافيًّا، متمثلًا في أنماط التعبير الفني التي ينتهجها الناس في تصوير آمالهم وآلامهم وأفراحهم وأتراحهم.

وإذا كانت هذه العناصر كلّها تعود في معرض تنوعها في شكلها العملي إلى أرضية مشتركة من الرؤى الإيديولوجية، التي تنضبط فيها تصورات الوجود، وغاية الحياة، ومصير الإنسان، فإن هذا العنصر الإيديولوجي يكون العنصر المهم في الواقع الإنساني، باعتبار ما يتفرع عنه من أنماط السلوك التي تشكل أسلوب الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت