الصفحة 87 من 233

إن الإنسان لما يتحمل حقيقة الوحي، ويقصد بإرادته الحرّة إلى أن يجعله جاريًا في واقع الحياة، فإن ذلك يتطلب منه كشرط مبدئي، أن يفهم الواقع الإنساني، الذي يريد أن يجريه على أساس من الوحي، وأن يتعمق في فهمه، ويبذل الجهد الكبير في ذلك، نظرًا لطبيعته المعقدة، وكلّما كان فهمه أشمل وأعمق، كانت قدرته على تكييفه بحسب مقتضيات الوحي أكبر، بما يستكشف من المفاصل التي يسهل منها تطويعه لينفعل بحقيقة الدين.

وقد شهد التاريخ الإسلامي العديد من الحركات الإصلاحية، ومن المذاهب الهادفة إلى تغيير الأوضاع المنحرفة عن مقتضيات الدين، لتكون متوافقة معه، وهي حركات ومذاهب لا ينقصها في أغلب الأحوال الإخلاص في القصد، والانبناء على أصول من الحق النظري، ولكن أكثر ما كان يأتيها من فشل في النتائج، أو من ضمور فيها، كان يأتيها من قصور في تمثل الواقع الإنساني، الذي تهدف إلى إصلاحه، وفي امتلاك تصور عميق لطبيعته، ولعناصر تكوينه، وعوامل تفاعلاته، فإذا ما اتجهت الإرادة إلى الإصلاح مع هذا القصور، ارتدت في كثير من الأحيان بالخسران، فتفشل في تغيير الواقع وإصلاحه (1 ) .

وعلى هذا الاعتبار، فإن فهم الواقع الإنساني يغدو عاملًا بالغ الأهمية في التدين، ولا يقل أهمية عن فهم الدين نفسه، فهما الشرطان المتلازمان في مرحلة الفهم، اللذان يعتبران الخطوة الأولى في سبيل تحقيق الدين في الواقع، أي في سبيل تحقق التديّن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت