نزل الدين لمعالجة واقع الإنسان، بحيث يتكيّف هذا الواقع بالصياغة التي تحقق المصلحة، اهتداء بتعليمات الوحي، ولكن انصلاح الواقع الإنساني، فيما تجري عليه الحياة الفردية والاجتماعية، لا يتم بصفة آلية، بمجرد استبانة الحق المتمثل في الوحي، مثلما تنصلح مشاهد الواقع المادي حينما تواتيها الظروف المناسبة لها؛ ذلك لأن إرادة الإنسان تتوسط بين الوحي، وبين الواقع الإنساني، فتصبح هي الفاعلة فيه، ويكون حينئذ انصلاح الواقع بحسب ما تنفعل الإرادة بالوحي، وذلك هو معنى الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض، فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان.
ولما كانت إرادة الإنسان، تتوسط تعاليم الوحي ومشاهد الواقع، فإن انفعال هذا الواقع بتلك التعاليم أصبح خاضعًا لشروط تتعلق بها. ومن أهم تلك الشروط فهم الواقع الإنساني، واستيعاب حقيقته، والوقوف على طبيعته، وعناصر تكوينه.
ومن السّنة الماضية، أن أي موضوع وإن يكن ماديًّا، يراد أن يعالج معالجة ما لصياغته على نحو معين، يكون من الشروط الأساسية في نجاح تلك المعالجة، الانطلاق فيها من المعرفة بحقيقته، والوقوف على طبيعته وخصائصه؛ ذلك لأن تلك المعرفة يتوقف عليها رسم الخطة للمعالجة، كاتخاذ الأساليب والوسائل المتناسبة مع طبيعة الموضوع وخصائصه، فيكون الفعل فيه مجديا، ويكون انفعاله أيسر على جهد الإنسان. ولو وقعت المعالجة على غير هدى من تلك المعرفة، لآل الأمر إلى سلسلة من التجارب المرهقة، التي قد تبوء بالفشل كلها.
وحينما يكون الواقع الإنساني موضوعًا للمعالجة، فإن هذا الشرط يصبح شرطًا مشددًا، وذلك باعتبار أن موضوع الواقع الإنساني موضوع بالغ التعقيد، لما تتفاعل فيه من عناصر وأسباب، بعضها ظاهر، وبعضها خفي، ولما تتجمع فيه من عوامل ذات طبائع مختلفة، منها المادي، ومنها الروحي، ومنها الآني الحادث، ومنها الضارب في أعماق التاريخ.