الصفحة 85 من 233

وفي هذا العهد نشطت هذه النزعة المحكمة للواقع، يدفعها الانهزام الحضاري، الذي يعيشه المسلمون، وينبهرون فيه بالنمط الواقعي للحضارة الغربية، مما جعل بعض الباحثين يقيمون من هذا النمط في وجوه مختلفة أصلًا لتقرير أحكام الدين، صرفًا للنظر عن النصوص اليقينية الدلالة والثبوت، باعتبار أن ما تحمله من الأحكام محدود بالزمان والمكان، خاضع لاعتبارات الظروف التي نزل فيها، فيكون معناه قد انقضى بانقضاء زمنه وأسباب نزوله. ذلك ما يراه حسن حنفي، من بين روّاد هذه الوجهة حيث يقول:"أصول التراث نفسه- وهو الوحي - مبنية على الواقع، وتغيرت وتكيفت طبقًا له، وأصول التشريع كلها تعقيل للواقع، وتنظير له، ولكن الواقع القديم تخطته الشريعة، وجاوزه التشريع، إلى واقع أكثر تقدمًا، في حين أن واقعنا الحالي الذي يُقام التجديد عليه، لم يتخطه أي تشريع بعد، وتظلّ كل التشريعات أقل مما يحتاجه، ويظل هو متطلبًا لأكثر مما تعطيه التشريعات" (30 ) .

وبين هذين التطرفين، اللذين يقطع أولهما صلة الاجتهاد في فهم الدين بالواقع، ويهدر ثانيها ثوابت الدين بمجريات الأحداث، يبقى الموقف الوسط هو الموقف المشروع، متمثلًا في الاستنارة بواقع الحياة الإنسانية، في تأسيس الأفهام الدينية تحديدًا للمراد من مظنون النص، واستحداثًا لما ليس فيه نص، فيصير بالاجتهاد حكمًا دينيًّا تقيّدًا في كلّ ذلك بالضوابط المقصدية العامة، التي تضمن وحدة الدين وثباته واستمراريته على السمت الصحيح.

فهم الواقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت