وقد شهد هذا الدور، الذي يمكن أن يؤديه الواقع في فهم الدين، تجاذبًا بين طرفين متناقضين، في تاريخ الفكر الإسلامي قديمه وحديثه. فقد كان أكثر الأئمة الأوائل يولون أهمية لهذا الواقع، في فهم الدين، وخاصة منهم الإمام مالك، الذي توسّع فيه توسعًا مشهورًا. ولكن بمرور الزمن، وتناقص الثراء، في الواقع الحضاري للمسلمين، والميل إلى التمسّك بالفقه النظري، الذي هو أقل عرضة للاختلاف، تناقص الاهتمام بأصول الواقع في فهم الدين، وأسقط من الاعتبار في هذا المجال، في جملة ما أصاب الفكر الديني عامة، من بُعدٍ عن التفاعل مع واقع الحياة الإسلامية.
وفي مقابل ذلك، ظهرت منذ القديم نزعة تنحو منحى المبالغة في دور الواقع في فهم الدين، حتى اتخذ من أعرافه وأوضاعه، التي يظن أن فيها مصلحة للناس سلطان على الأحكام الشرعية المنصوص عليها. فأصبح الدين يفهم مما يجري به الواقع، وإن يكن مخالفًا لما جاءت به نصوص الوحي. وممّن وقع في هذه المبالغة في تحكيم الواقع في فهم الدين، أبو الربيع سليمان بن عبد القوي الطّوفي (ت 716هـ ) الذي قال بتقديم المصلحة الواقعية، على النص في المعاملات، سواء كان ظنيّا أو قطعيًّا (29) .