وقد يكون من العادات والأعراف، ما يتحقق به الخير، في جانب من جوانب الحياة، ممّا لم يرد فيه نص ديني، سوى الإرشاد المقصدي العام، وحينئذ فإن العقل في اجتهاده بحثًا عن المراد الإلهي، في كل شأن من شؤون الحياة، يمكن أن يحكم بأن ما أثبت العرف صلاحه هو المراد الإلهي، ويتبنّاه على أنه حكم ديني، ينضاف إلى المنظومة الدينية المتكاملة، التي تغطي أوجه الحياة كلها، ويكون بذلك للواقع دور في فهم الدين، باعتماد العرف الصالح، على أنه جزء من الدين، حينما لا يرد فيه نصّ، ولا يكون معارضًا لنصّ (26) .
وقد يكون في واقع الحياة أوضاع فاسدة، وعادات زائغة عن الحق، مفضية إلى المفسدة، وتكون تلك الأوضاع والعادات مما يتعلق بها نص ديني بحكم ظنّي، وحينئذ فإنه يمكن للعقل أن يوازن بين احتمالات النص الظني، فيختار منها ما يكون فيه علاج أبين، لما فسد من الأوضاع والعادات، فيصبح ذلك الاحتمال محمولا على أنه هو الدين، ويعتمد مرادًا إلهيًّا، بناء على تلك المشاهد، من الواقع (27 ) .
وهذا الدور الذي يؤديه الواقع في فهم الدين، أسس عليه بعض أئمة الفقه، وعلماء الأصول، قواعد تشريعية، اعتمدوها في تقرير أحكام الدين، والاجتهاد في معرفة المراد الإلهي. ومن أهم تلك القواعد ما عرف في الأدب الأصولي، بأدلّة المصلحة المرسلة، والعرف، والاستصحاب، ومعناها أن يتخذ مصدرًا للتشريع كلٌّ من الوقائع التي لم يشهد لها دليل معيّن من الشرع، بالاعتبار والإلغاء وفيها تحقيقٌ لمصلحة، والعادات التي يعتادها الناس في حياتهم غير مخالفة لحكم شرعي، وما يفعله الناس مطلقًا في تصرفاتهم، ممّا لم يرد فيه منع (28 ) ، بحيث يتخذ العقل بالاجتهاد من هذه المشاهد الواقعة أحكامًا دينية، معبّرة عن المراد الإلهي، فتصبح تلك المصالح والأعراف والتصرفات العفو، مادّة لصياغة فهم ديني، يكون جزءًا من دين الله المتوجّب على النّاس تطبيقه.