الصفحة 82 من 233

ويتبين مبدئيًّا أن فهم الدين لا يمكن أن يتم بصفة تجريدية، مفصولة عن خضم الواقع الحياتي، بل يتم من خلال حوار متفاعل بين عناصر ثلاثة: النص الديني، والعقل المدرك، ونوازل الواقع وأحداثه. وفي هذا التفاعل يتأمل العقل في مدلولات النص الديني، من حيث هي أحكام مقصدها تقويم واقع الحياة وترشيده، فيكون إذًا لهذا الواقع، الذي هو موضوع التقويم، اعتبار في عملية الفهم على النحو الذي سنبيّنه تاليًا.

ويضيق هذا التفاعل إلى درجة قصوى، في فهم النصوص القطعية، في ورودها ودلالتها؛ ذلك أنّ هذه النصوص هي في عمومها موجهة لحياة الإنسان المطلقة، التي لا يُنظر فيها إلى الظرف الزماني والمكاني، باعتبارها المحور الثابت، الذي تدور عليه الحياة، فيحفظ سمتها الأصلي المتقوّم بالحق الدائم، ويحفظ بالتالي ثبات الحقيقة الدينية واستمراريتها. ومن أمثلة هذه النصوص، التي يضيق فيها دور الواقع في فهمها، ما يتعلق بالعقيدة، والعبادات، وأحكام الحدود، فهي نصوص قطعية في أغلبها تحمل معاني يقينية ثابتة، متعالية عن أحداث الواقع المتغيرة من حيث الفهم.ويتّسع دور الواقع في فهم النصوص الظنية، وفي استنباط الأحكام، ممّا لا نصّ فيه حيث يكون للعقل مجال للترجيح بين الاحتمالات، أو الاجتهاد وفقًا للمقاصد العامة، وحينئذ فإنه يمكن أن يستخدم مجريات الواقع، في ذلك الترجيح والاجتهاد، على أنحاء مختلفة.

فقد يكون في واقع حياة الناس عادات وأعراف، جارية على أصول من الحق، تظهر ثمرتها الخيّرة في تحقيق المنافع المختلفة لهم. وقد تكون هذه العادات والأعراف متعلقة بما كان مناطًا لبيان نصّي ظنّي، وحينئذ فإنها تكون مرجّحًا قويًّا، ليُصرف ذلك البيان إلى الاحتمال الذي ينطبق عليها، فيصبح ذلك الاحتمال هو المفهوم الديني، الذي يحصله العقل، على أنه مراد إلهي، تحكيمًا في ذلك للواقع الذي جرت به تلك العادات والأعراف (25 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت